
نقرأُ في سورةِ البقرة، وفي الآياتِ الكريمةِ 36- 39 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
يُبيِّنُ لنا تدبُّرُ هذه الآياتِ الكريمة أن الإنسانَ، ومن بعدِ أن أكلَ أبواه من تلكم الشجرة، قد أصبح مُلزَماً بأن يتَّبعَ هَديَ اللهِ الذي أرسلَ به أنبياءه المُرسَلين إن هو أرادَ ألا ينتهيَ به الأمرُ إلى ما يُديمُ عليه شقاءَه في هذه الحياةِ الدنيا ويُخلِّدَه في نارِ جهنمَ أبدَ الآبدين. ولذلك تخفقُ كلُّ محاولةٍ للنأيِ بالإنسانِ عن مصيرِه الحتمي هذا إن هي استعانت بغيرِ هَديِ اللهِ تعالى، وإن تذرَّعت إلى ذلك بكلِّ ما أُوتيه العلمُ من إحاطةٍ بماضي الإنسانِ وحاضرِه. فالإنسانُ لا يكفي للتعريفِ به أن يُصارَ إلى حشدِ كلِّ ما تأتَّى للعلمِ أن يضعَ يدَه عليه من تفاصيلَ ذاتِ صلةٍ بنشأتِه وبمسيرةِ تطورِه وارتقائه! فنشأةُ الإنسانِ يكتنفُها من الإلغازِ والغموض ما يحولُ دون أن يكونَ للعِلمِ ما يمكِّنُه من الجزمِ بأنَّ ما قُدِّرَ له أن يحيطَ به من ذلك الماضي كافٍ حتى يعمدَ إلى تشخيصِ دائه الذي يجعلُه على هذا القدرِ من التناشزِ مع محيطِه وبيئتِه، ومن قبلِ ذلك مع الطبيعةِ التي يقطعُ العلمُ بأنَّ الإنسانَ قد نشأ وترعرعَ في تمامِ التوافقِ مع سُنَنِها وقوانينِها.
وهذا الذي هو عليه الإنسانُ، من خروجٍ على الطبيعةِ وسُنَنِها وقوانينِها، إذ يجعلُ العلمَ عاجزاً عن أن يشخِّصَ الجذرَ الحقيقي لدائه، فإنه يفتحُ لنا البابَ على مصراعَيه حتى نتبيَّنَ ما الذي يقتضيه الأمرُ لنعرفَ الإنسانَ المعرفةَ التي تعينُنا على تبيُّنِ جذرِ هذه العلة وتشخيصِ العلاجِ لها وليصبحَ الإنسانُ بالتالي كائناً عاجزاً عن إظهارِ الفسادِ في الأرض.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ الدينَ هو وحدَه القادرُ على أن يُعرِّفَ الإنسانَ التعريفَ الذي يجعلُنا نعرفُه المعرفةَ التي تكفلُ لنا أن نستيقنَ بأنَّ اللهَ تعالى هو وحده مَن بمقدورِه أن يؤدبَ الإنسانَ أما وأنه هو الذي خلقَه وهو الذي يعرفُه بالتالي حقَّ المعرفة: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (13- 14 المُلك).
