ما الذي يراهُ الشيطان ويعجزُ عن رؤيتِه الإنسان؟

أيُّ النظرتَين إلى العالَم هي الأقربُ إلى حقيقته: نظرةُ الشيطانِ أم نظرةُ الإنسان؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الآياتِ الكريمةَ التالية: (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ. قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (79- 83 ص).
فتدبُّرُ هذه الآياتِ الكريمة يُعينُنا على تبيُّنِ الحقيقةِ التي مفادُها أنَّ الشيطانَ قد خلقَه اللهُ تعالى مؤهلاً لأن يُحيطَ بحقيقةِ كونِ اللهِ تعالى هو القوةَ الأعظمَ في الوجود. فالشيطانُ قد أقسمَ بعزةِ اللهِ التي لا يُنازعُ اللهَ تعالى فيها من خلقِهِ أحد على أن يُضِلَّ الناسَ أجمعين إلا عبادَ اللهِ المخلَصين. ومَن كان مؤهلاً لأن يتبيَّنَ هذه الحقيقةَ فلن يُعجزَه أن يتبيَّنَ من حقائقِ الوجودِ ما يعجزُ الإنسانُ عن تبيُّنِه وهو الذي خُلِقَ ضعيفاً وبما يجعلُ منه عاجزاً عن الإحاطةِ بما ليس باليسيرِ إحصاؤه من حقائقِ الوجود. فالشيطانُ يرى ما يعجزُ الإنسانُ عن رؤيتِه، ومن ذلك ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمة: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (48 الأنفال). فالشيطانُ إذ يرى ما لا يراه الإنسان، فإنَّه يدركُ ما سوف يجرُّه عليه من سريعِ العقابِ وشديدِ العذابِ تدخُّلُه في سَيرِ وقائعِ غزوةِ بدر التي أيَّدَ اللهُ تعالى فيها رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم والذين آمنوا معه بجنودٍ لم يكن بمقدورِهم أن يروها: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (9- 10 الأنفال). وهؤلاء الملائكةُ الذين أيَّدَ اللهُ تعالى بهم رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم والذين آمنوا معه في غزوةِ بدر هم جنودُه الذين إن عجزَ الإنسانُ عن رؤيتِهم فإنَّ الشيطانَ لن يعجزَ عن ذلك.
ولقد أيَّدَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم والذين آمنوا معه بهؤلاءِ الملائكةِ يومَ الخندق ويومَ حُنين وفي مواطنَ أخرى كثيرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) (9 سورة الأحزاب)، (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) (25- 26 التوبة).
فلأنَّ الشيطانَ كان يرى “الملائكةَ المقاتلين” يومَ بدر ويومَ الخندق ويومَ حُنين، فإنَّه لم يكن أمامه غيرَ أن ينكصَ على عقبَيه ويخذلَ مَن وعدَ بأن ينصرَهم.

أضف تعليق