
نقرأُ في سورةِ الأنبياء، وفي الآيةِ الكريمةِ 91 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ). فما هو معنى “رُوحنَا” في هذه الآيةِ الكريمة؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الآياتِ الكريمةَ التالية:
1- (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (28- 29 الحِجر).
2- (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (71- 72 ص).
فنفخُ اللهِ تعالى في السيدةِ مريم من روحِه لَيذكِّرُ بنفخِ اللهِ تعالى في أبينا آدم من روحِه. وهذا النفخُ الإلهي هو في حقيقتِه واحدٌ من تجلياتِ قولِ اللهِ تعالى للشيءِ إذا أراده “كن فيكون”: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (82 يس).
وهذا هو عينُ ما تُشيرُ إليه الآيةُ الكريمة 59 من سورةِ آل عِمران: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). وهذا الخَلقُ الآنيُّ اللحَظي لَيذكِّرُنا بدورِه بأعظمِ تجلياتِ “كن فيكون”، وهو التجلِّي الذي بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) (52- 53 الشورى).
فكلمةُ “روحنا” في الآيةِ الكريمة 91 من سورةِ الأنبياء أعلاه تشيرُ إذاً إلى أمرِ اللهِ تعالى القاضي بتخلُّقِ سيدِنا عيسى من أمِّه فحسب (أي من دون وساطةِ أب). ويُخطئُ كلُّ مَن يظنُّ أنَّ لسيدِنا جبريل صلةً بهذا التخلُّقِ الإعجازي. فكلُّ ما قُيِّضَ لسيدِنا جبريل القيامُ به بهذا الشأن هو تبليغُ السيدةِ مريم بما هي مقبلةٌ عليه من أمرٍ عظيمٍ بحملِها الوشيك دون أن يمسَسها بشر: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجًاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا. قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا. قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) (16- 19 مريم).
