في معنى قولِه تعالى “وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ”

نقرأُ في سورةِ البقرة، وفي الآيةِ الكريمة 247 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). فما هو معنى “وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ” في هذه الآيةِ الكريمة؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ “المُلكَ” الذي تتحدثُ عنه هذه الآيةُ الكريمة هو “مُلكُ الله” الذي يختصُّ به مَن يشاءُ من عِبادِه المصطفَين المخلَصين؛ فهو مُلكٌ لا يؤتيه اللهُ تعالى إلا الذين سبقت لهم منه الحسنى، وهو مُلكٌ يشتملُ على إنعامٍ من لدن اللهِ تعالى وإفضال فيه ما فيه من عجيبِ الأمورِ وغريبِها ما فصَّلته لنا قصةُ سيدِنا طالوت كما قصَّها علينا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم. فـ “آيةُ المُلكِ” الذي آتاه اللهُ تعالى سيدَنا طالوت تكفينا حتى نتبيَّنَ البونَ الشاسعَ بين هذا المُلك وغيرِه من المُلك. فـ “آيةُ مُلكِ” سيدِنا طالوت كانت معجزةً تجلَّت بهذا الذي بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمة 248 من سورةِ البقرة: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). فكيف لا يكونُ هذا التابوتُ “آيةَ مُلكِ” سيدِنا طالوت، وبالمعنى الذي تبيَّنَ لنا أعلاه، والناظرُ إليه يراه يسيرُ في السماءِ من دون أي واسطة؟!
و”مُلكُ الله” الذي آتاهُ سيدَنا طالوت يتمايزُ عن غيرِه من المُلك الذي يؤتيه اللهُ مَن يشاءُ من عبادِه بما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى في الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- )قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (26- 27 آل عمران).
2- (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( (258 البقرة)
فالمُلكُ الذي تتحدث عنه هذه الآياتُ الكريمة لا يشتملُ على المعجزاتِ ولا يشترطُها آيةً أو برهاناً، وذلك بالمقارنةِ مع ما يشترطُه “مُلكُ الله” الذي آتاهُ اللهُ تعالى سيدَنا داود وسيدَنا سليمان على سبيل المثال: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) (20 المائدة). فالملوكُ الذين يشيرُ إليهم قولُ اللهِ تعالى هذا هم سيدُنا داود وسيدُنا سليمان: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) (14- 15 النمل).

أضف تعليق