في معنى قَولِ اللهِ تعالى “إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ”

نقرأُ في سورةِ الشورى، وفي الآيتَين الكريمتَين 32- 33 منها، قَولَ اللهِ تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ. إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ). فما هو معنى “إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ”؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نتبيَّنَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى بيدِه ملكوتُ كلِّ شيء. فاللهُ تعالى خلقَ السمواتِ والأرضَ وبثَّ فيهما من قوانينِه الإلهيةِ ما كفَّلها أمرَ تسييرِ شؤونِ كلِّ ما خلقَ فيهما من خَلق. فما من ظاهرةٍ من ظواهرِ السمواتِ والأرض إلا وكان بيدِ اللهِ تعالى أزِمَّةُ أسبابِها التي جعلَها تتسبَّبُ في حدوثِ كلِّ ما ينجمُ عن تفاعلِ هذه الظاهرة مع ما شاءَ لها أن تتفاعلَ معه من الظواهرِ بإذنِه.
فاللهُ تعالى هو مَن يُحرِّكُ الريحَ بما سلَّطَه عليها من الأسبابِ التي لم يُقيِّض للإنسانِ أن يسبرَ من غورِها إلا النزرَ اليسير. واللهُ تعالى هو الذي إن شاء أسكنَ هذه الريحَ، وذلك بما حكَّمَه فيها من أسبابٍ غيَّبَ عن الإنسانِ سوادَها الأعظم. وكلُّ ما يحدثُ في السمواتِ والأرضِ من وقائعَ وأحداث لا يقتضي من اللهِ تعالى إلا ما قيَّضَه من هذه الأسباب، والتي ليس بمقدورِها أن تتسبَّبَ في حدوثِ أمرٍ ما إلا بإذنِه.
ويُخطئُ كلُّ مَن يظن أنَّ بمقدورِ هذه الأسبابِ أن تتسبَّبَ في حدوثِ أمرٍ ما وحدها ومن تلقاءِ نفسِها وعن أمرِها! فكلُّ ما يحدثُ في الوجود من وقائعَ وأحداث ما كان له أن يحدثَ لولا هذه الأسباب التي يقفُ اللهُ تعالى من ورائها. كما ويخطئُ كلُّ مَن يظنُّ أن ليس بمقدورِ اللهِ تعالى أن يكفَّ يدَ هذه الأسبابِ فلا يعودُ بمقدورِها بعدها أن تتسبَّبَ في حدوثِ ما خلقَها لتفعلَه بإذنِه! فاللهُ تعالى هو القاهرُ فوق عبادِه وهو الغالبُ على أمرِه وهو الذي إن شاءَ قالَ للشيءِ إذا أرادَه “كُن فيكون”. فإذا كان اللهُ تعالى هو مَن يقفُ من وراءِ الأسباب، فهو القادرُ أيضاً على أن يصنعَ ما يشاء من دونِ هذه الأسباب!
فالريحُ، وعلى سبيلِ المثال، لا تملكُ من القوةِ ما يجعلُها تتسبَّبُ في تحريكِ أشرعةِ السفنِ، وذلك على خلافِ ما يقولُ به العِلم! واللهُ تعالى هو مَن يُسكنُ هذه الريحَ فيجعلُها عاجزةً عن تحريكِ أشرعةِ هذه السفن التي لن يعودَ بمقدورِها أن تمخرَ البحرَ من جديد إلا من بعدِ أن تحرِّكَها الريحُ بإذنِه.

أضف تعليق