
يُصِرُّ الإنسانُ على الطغيانِ استكباراً في الأرضِ وإفساداً فيها وأمراً بالمنكرِ ونهياً عن المعروف ودعوةً إلى كلِّ موبقةٍ ورذيلة. ولا يحتاجُ الأمرُ من الإنسانِ حتى يُظهِرَ أسوءَ ما جُبِلَ عليه من سجايا وخصال غيرَ أن يُمكِّنَ اللهُ تعالى له في الأرض ابتلاءً له لينظرَ ما هو فاعلٌ بما جعلَه اللهُ تعالى مستخلَفاً فيه. ولم يمكِّن اللهُ تعالى لإنسانٍ في الأرضِ كما مكَّنَ لإنسانِ الحضارةِ الغربيةِ المعاصرة. فإنسانُ هذه الحضارةِ قد مُكِّنَ من ناصيةِ العلمِ والتكنولوجيا فكان له أن يتسيَّدَ بهما برَّ الأرضِ وبحرَها وجوَّها وفضاءها القريب. ولكن هل زادَ هذا التمكينُ العلمي-التكنولوجي إنسانَ هذه الحضارةِ إلا طغياناً وغروراً وإلى الحدِّ الذي أصبح، بمقتضى ما يُمليه عليه كلٌّ منهما، مطيعاً لهواه الذي اتَّخذَه إلهاً من دونْ الله فجعلَه ذلك يُمعِنُ في إيذاءِ نباتِ الأرضِ وحيوانِها وإنسانِها طالما كان ذلك يضمنُ له المزيدَ والمزيد من الثرواتِ والأرباح! ولقد فاقمَ الأمرَ سوءاً هذا الذي جعلَه اتِّخاذُه إلهَه هواه يُقدِمُ عليه من تجاسرٍ على حدودِ اللهِ وتطاولٍ على قوانينِه التي ما خرجَ عليها إنسانٌ إلا وعادَ ذلك عليه بوبيلِ الشرور. وإلا فهل هناك من شرٍّ أعظمُ من أن يُسلِمَ المرءُ عقلَه وقلبَه للشيطانِ يعبثُ بهما ويعيثُ في ربوعِهما إفساداً وتلويثاً وإلى الحدِّ الذي جعلَه يأتمرُ بأمرِه وينتهي بِنَهيه؟! ولقد صدَّقَ إبليسُ ظنَّه على إنسانِ هذه الحضارةِ إذ قالَ: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (من 119 النساء)، وذلك في توصيفِه لحالِ الإنسانِ الذي ارتضى لنفسِه أن تكونَ ألعوبةً بيدِ الشيطان. وإلا فكيف لنا أن نفهمَ هذا الذي يجعلُ إنسانَ الحضارةِ المعاصرة يقومُ بتغييرِ خَلقِ أبنائه، وذلك إطاعةً منه لخَفيِّ همزاتِ الشيطانِ ونزغِه ووسوستِه، وهو يدعوه إلى إجراءِ هذا التغيير، وذلك بحجةٍ مفادُها أنَّ الإنسانَ له مطلقُ الحريةِ في اختيارِ جنسِ جسمه الذي يرغبُ فيه! فخرجَ علينا مَن باعوا أنفسَهم للشيطانِ من علماء وأطباء سوَّغوا لهذا التغيير ودَعوا إلى سَنِّ قوانينَ توجبُ على الأهلِ القيامَ به حتى يكونَ للمراهقِ جنسُ الجسمِ الذي يستشعرُ أنَّه الأكثرُ ملائمةً له فسيولوجياً وسايكولوجياً واجتماعياً!
