في معنى قَولِ اللهِ تعالى “قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا”

نقرأُ في سورةِ الكهف جانباً من تفاصيلِ رحلةِ سيدِنا موسى، رفقةَ فتاه، بحثاً عن العبدِ الصالح الذي كان اللهُ تعالى قد أنبأه بـ “علامةٍ” إذا ما ظهرت كان ذلك إيذاناً بقربِ لقائه به. ولما اشتدَّ بسيدِنا موسى التعبُ أرادَ أن يأكلَ من السمكةِ التي كان فتاه قد اصطادَها له: (فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) (62 الكهف). فما كان من فتاهُ إلا أن استدركَ أمراً كان قد فاتَه بشأنِ تلك السمكة. فالفتى لم يُحسِن التعاملَ مع السمكةِ التي كان قد اصطادَها إذ لم يثبِّتها، وذلك كما جرت العادةُ آنذاك، بوتدٍ على الشاطيء بواسطةِ الحبلِ الذي اصطادَها به. فما كان من السمكةِ إلا أن أفلتت بالحبلِ وتسرَّبت في ماءِ البحر: (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) (61 الكهف).
ولقد حفظَت لنا سورةُ الكهف ما كان من أمرِ سيدِنا موسى وفتاه، وذلك بعدما تبيَّنَ لهما فقدانُهما للسمكة: (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) (63 الكهف). فالسمكةُ، وقد أفلتت من هلاكٍ محتَم، قد اتَّخذت سبيلَها في البحرِ متعجبةً من حالِها ومن أمرِ إفلاتِها هذا!
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الحادثةِ التي اشتملت عليها قصةُ سيدِنا موسى ورحلةُ بحثِه عن العبدِ الصالح، أنَّ الشيطانَ قد أخفقَ في أن يكيدَ لسيدِنا موسى إذ حسبَ أنَّ فقدانَ سيدِنا موسى لغدائه سيجعلُه يكفُّ عن مسعاهُ للقاءِ العبدِ الصالح، ظناً منه وتوهُّماً أنَّه قد خبرَ سيدَنا موسى وخبرَ منه سرعةَ غضبِه وفورةَ بطشِه، وهو لا يدري أنَّ اللهَ تعالى كان قد أعلمَ سيدَنا موسى بأنَّه سيفقدُ السمكةَ، وأنَّ فقدانَه العجائبيَّ لها هو العلامةُ التي ستُرشِدُه إلى العبدِ الصالح!

أضف تعليق