
يسيِّرُ اللهُ تعالى وقائعَ الوجودِ وأحداثَه بما سبقَ له وأن بثَّه فيه من أسبابٍ وقوانين لا قدرةَ لها على أن تفعلَ شيئاً فيه إلا بإذنِه. فلولا أنَّ اللهَ تعالى هو مَن يحركُ هذه الأسبابَ والقوانين، وهو مَن يمدُّها بالحَولِ والقوة، ما كان لهذا الوجودِ أن يحدثَ فيه شيءٌ ولا كان له أن يبقى فلا يزولَ ويتلاشى. ومن جملةِ هذه الأسبابِ والقوانين تلك التي كفَّلها اللهُ تعالى أمرَ إحياءِ الأرضِ بعد موتِها، وذلك بما يُنزِلُه من السماءِ من ماءٍ ما كانت الأرضُ لتحيا بدونه:
1- (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )(57 الأعراف).
2- (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِين) (22 سورة الحِجر).
وإذا كانت وقائعُ الدنيا وأحداثُها مسبَّبةً بعقالٍ من الأسباب والقوانينِ حكَّمه اللهُ تعالى فيها، فإن اللهَ تعالى قادرٌ على أن يتسبَّبَ في حدوثِ وقائعَ وأحداثٍ ما كان لها أن تحدثَ ولو تظاهرت على ذلك أسبابُ الوجودِ وقوانينُه كلُّها جميعاً. فاللهُ تعالى قادرٌ إذا ما أرادَ شيئاً، يتعارضُ حدوثُه مع ما تقضي به الأسبابُ والقوانينُ التي سبقَ وأن كفَّلها أمرَ تدبيرِ شؤونِ الوجودِ بإذنِه، على أن يقولَ له “كن فيكون”. ومن ذلك الريحُ التي سخَّرها اللهُ تعالى لسيدِنا سليمان فمكَّنه بها من أن يفعلَ ما تعجزُ قوانينُ العلمِ التي بين أيدينا عن أن تعللَ له:
1- (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ) (36 ص).
2- (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) (من 12 سورة سبأ).
3- (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِين) (81 الأنبياء).
ومن ذلك أيضاً الريحُ التي سخَّرها اللهُ تعالى على قومِ سيدِنا هود فأهلكتهم هلاكاً لا قدرةَ لعقلِنا البشري على التعليلِ له:
1- (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ. إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ. تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ. فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) (18- 21 القمر).
2- (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ. تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) (24- 25 الأحقاف).
3- (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ. سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ. فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) (6- 8 الحاقة).
4- (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ. مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيم) (41- 42 الذاريات).
5- (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ. فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ) (15- 16 فصلت).
ومن ذلك أيضاً ما لا ينبغي على العاقلِ الحصيفِ أن يغفلَ عن ذِكرِه من قدرةٍ للهِ تعالى على أن يتولى زمامَ الأمورِ بنفسِه فلا يجعل لأسبابِه وقوانينِه حظاً من قدرةٍ أو تأثير. ومثالُ ذلك ما فصَّله لنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم من أمرِ تحكُّمِه بمقاليدِ الريحِ تسكيناً وعصفاً وقصفاً:
1- (أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا. أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا) (68- 69 الإسراء). (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ. إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ. أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ) (32- 34 الشورى). (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ) (51 الروم). (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (117 آل عمران).
ومن ذلك أيضاً تسليطُ اللهِ تعالى الريحَ على الأحزابِ يومَ الخندق: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) (9 سورة الأحزاب).
فسبحانَ اللهِ الذين جعلَ الرياحَ تفعلُ ما يشاء بما سبقَ وأن سلَّطَ عليها من أسبابٍ وقوانين لا حولَ لها ولا قوةَ إلا به. والحمدُ للهِ الذي لا يحتاجُ الأمرُ منه غيرَ أن يقولَ للشيءِ إذا أراده “كن فيكون” فيتجلى قولُه عواصفَ وريحاً تدمِّرُ كلَّ شيءٍ بأمرِ ربِّها.
