في معنى قَولِه تعالى “وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ”

نقرأ في سورةِ الأنفال، وفي الآيتَين الكريمتَين 62- 63 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). فما هو معنى “وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ”؟
يعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ونتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (103 آل عمران). فاللهُ تعالى إذاً هو مَن تدخَّلَ “تدخلاً مباشراً” بين المؤمنين فجعلَ قلوبَهم تتآلفُ فيما بينها تآلفاً ما من سبيلٍ آخر إليه إلا ما تسبَّبَ به تدخُّلُه المباشرُ هذا. فالأمرُ لا يعود إذاً إلى توفيقٍ بين “العقولِ والمزاجات” ينجم عن أقوالٍ أو أفعالٍ كتلك التي تصدرُ عمن يتصدى لمهمةِ إصلاحِ ذاتِ البين بين المتعادين والمتخاصمين! فـ “تأليفُ القلوبِ” أمرٌ لا قدرةَ لمخلوقٍ على أن يضطلعَ به أما وأنَّ اللهَ تعالى قد اختصَّ به نفسَه اختصاصاً لم يرتضِ أن يشاركَه فيه أحدٌ من خَلقِه.
ولذلك فإنَّ “تأليفَ القلوبِ” معجزةٌ لا تقلُّ إعجازاً عن أيِّ معجزةٍ أخرى تُعجِزُ العقلَ عن أن يُعلِّلَ لها بما تسنَّى له الوصولُ إليه من علومٍ ومعارف، كما وتُعجزُ أيَّ مخلوقٍ عن أن يجترحَها ولو استعانَ على ذلك بما في السمواتِ والأرضِ من أسبابٍ وقوانين! فاللهُ إذاً هو الذي ألَّفَ بين قلوبِ مَن اختصَّهم من عبادِه فقالَ فيهم قرآنُه ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِه تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (60 التوبة).

أضف تعليق