
فتنَ اللهُ تعالى أنبياءَه المُرسَلين فجعلهم يخوضون غِمارَ “منازلةٍ نفسيةٍ كبرى” لابد من ألا نعجلَ في تحديدِ النتائجِ التي انتهت إليها، وذلك حتى لا نخوضَ بغيرِ علِمٍ في ما يعجزُ العقلُ عن تبيُّنِ محدِّداتِه وآفاقِه ومدَياتِه! فالأمرُ ليس موكولاً إلى ما جُبِلَ عقلُ بني آدمَ عليه من مسارعةٍ إلى انتحالِ الأسبابِ والاستطرادِ من بعدِها في استيلادِ ما يتمخَّضُ عنها من النتائج! صحيحٌ أنَّ الإنسانَ، وبحكمٍ من آدميتِه، لم يقدِّر له اللهُ تعالى أن يتواجدَ على هذه الأرضِ، وفي هذه الحياةِ الدنيا، إلا وفقاً لما سبقَ وأن قدَّرَه على البشرِ من وجوبِ أن يكونَ بعضُهم لبعضٍ فتنة، غير أنَّ ذلك لا يلزمُ عنه ضرورةُ ألا يُفتنَ الأنبياءُ المُرسَلون بما يُعجِزُ غيرَهم ممن لم يجدهم اللهُ تعالى أهلاً بالتبليغِ عنه البلاغَ المبين.
ويُعينُ على تبيُّنِ ما لفتنةِ اللهِ تعالى أنبياءَه المرسَلين من عظيمِ الأثرِ في الارتقاءِ بحالِهم مع اللهِ تعالى أن نستذكرَ فتنةَ اللهِ تعالى لسيدِنا داود إذ أرسلَ إليه خصمَين تسوَّرا عليه محرابَه في الهزيعِ الأخيرِ من الليل: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ. إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ. قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ. فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ. يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (21- 26 ص).
ولقد كان في فتنةِ اللهِ تعالى لسيدِنا داود ما جعلَه يتبيَّنُ فيها توجيهاً من اللهِ تعالى صوبَ ما يتعيَّنُ عليه الإحجامُ عنه مما كان قد عقدَ العزمَ على القيامِ به إحجاماً ما كان له أن يُمكَّنَ منه لو أنَّ الأمرَ اقتصرَ على ما كان سيدُنا داود يعلمُه من موجباتٍ تقضي بهذا الإحجامِ من جانبِه. ولكن اللهَ تعالى اللطيفَ لما يشاء قضى بأن “يُري” سيدَنا داود مثالاً يجعلُه يتبيَّنُ مغبةَ ما كان قد انتوى فعلَه.
