في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ”

نقرأُ في سورةِ البقرة، وفي الآيةِ الكريمةِ 93 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين). فما هو معنى “وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ”؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ونتدبَّرَ ما فصَّلته لنا سورةُ طه من قصةِ اتخاذِ قومِ سيدِنا موسى العجلَ إلهاً لهم من دونِ اللهِ تعالى: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى. قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى. قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ. فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي. قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ. فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ. أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا. وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي. قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) (83- 91 طه).
فقومُ سيدِنا موسى لم يتبيَّنوا أنَّ اللهَ تعالى قد فتنَهم بذلك العجل ليبتلِيَهم ويمتحنَ قلوبَهم للتقوى. فما كان منهم إلا أن سمعوا لتخرُّصاتِ السامري وأطاعوه مع عِلمِهم بأنَّ ذلك يتعارضُ مع ميثاقِهم وعهدِهم الذي قطعوه بألا يعبدوا من دونِ اللهِ تعالى آلهةً أخرى. والناظرُ في حالِ القومِ لا يملكُ غيرَ أن يعجبَ لهذا الذي آلَ إليه أمرُهم، وهم الذين شهدوا بأعيُنِهم من الآياتِ ما لم يشهده غيرُهم من البشر، كيف ارتضوا لأنفسِهم أن يسجدوا لمعبودٍ صُنِعَ أمام ناظريهم! ولو أنَّ القومَ استمسكوا بميثاقِهم، وذكروا عهدَهم مع اللهِ تعالى، لأعانهم ذلك على أن يتبيَّنوا الأمرَ على حقيقتِه ويدركوا أن اللهَ تعالى إنما يبتليهم ويمتحنُ إيمانَهم. فلو أنهم اتقوا اللهَ حقَّ تُقاتْه لكرَّه إليهم الكفرَ والفسوقَ والعصيان، ولما “أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ”، ولما شغفَهم العجلُ حباً خلبَ لبَّهم واستحوذَ على عقولِهم فأنساهم آياتِ اللهِ التي أراهم اللهُ إياها يومَ كانوا في مصرَ ويومَ أهلكَ عدوَّهم وجاوزَ بهم البحرَ من بعدِ أن صيّرَه طريقاً يَبَسا.

أضف تعليق