
نقرأُ في سورةِ الكهف، وفي الآياتِ الكريمة 93- 95 منها، قولَ اللهِ تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا). فما هو معنى “قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ”؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادها أنَّ ذا القرنين لم يكن صاحبَ دنيا حتى تُغريَه المغانمُ وتنهضَ بهمَّتِه المكاسبُ! فاللهُ تعالى اصطفاهُ عبداً من عبادِه مكَّنَ له في الأرضِ وآتاهُ من أسبابِ القوةِ والمنَعةِ ما كان كفيلاً بأن يجعلَه في غِنىً عن أيِّ مغنمٍ دنيوي أو مكسبٍ معنوي: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) (83- 84 الكهف).
فذو القرنين إذ اتخذَ قرارَه بأن يُعينَ القومَ الذين استنجدوه واستنصروه على يأجوج ومأجوج، فإنه لم يكن ليقدِّمَ ما قدَّمَه لهم من نجدةٍ ونصرة إلا ابتغاءَ وجهِ اللهِ تعالى ومرضاتِه. لذلك قال للقومِ الذين استنجدوه واستنصروه: “مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ”، أي “أنَّ ما أقامني فيه اللهُ تعالى من فضلٍ وتمكين لَيُغنِيَني عن كلِّ ما تقدمونه لي نظيرَ نصرتي لكم”.
