في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا”

نقرأُ في سورةِ يونس، وفي الآيةِ الكريمةِ 24 منها، قولَ اللهِ تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). فما هو معنى “وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا” في هذه الآيةِ الكريمة؟
يعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ذلك الجانبَ من الإنسانِ الذي يُزيِّنُ له الباطلَ حقاً ويجعلُه بالتالي ميالاً إلى تفسيرِ كلِّ “ما لا يعلم” بدلالةٍ من “ما يعلم”. فليس هناك من داعٍ، من وجهةِ النظرِ هذه، لأن نفترضَ وجودَ أسبابٍ وقوانين غير تلك التي تأتى لنا أن نحيطَ بها علماً فظننا أنها كلُّ ما في الوجودِ من أسبابٍ وقوانين. فالإنسانُ لا يرى فيما بين يدَيه من مفرداتِ هذا الوجودِ ما يضطرُّه إلى الإقرارِ بأنَّ هنالك وقائعَ وأحداثاً يعجزُ ما قُيِّضَ له أن يحيطَ به من أسبابٍ وقوانين عن التعليلِ لها! فمادامت وقائعُ الوجودِ وأحداثُه التي قُدِّرَ له أن يحيطَ بها علماً لا تُعجزُ عقلَه عن أن يستوعبَها بالتفسيرِ والتعليل، فلا موجبَ هنالك إذاً لأن يداخلَه شكٌّ بأن تجيءَ الأيامُ بوقائعَ وأحداث لا يملكُ عقلُه حيالها غير أن يُقِرَّ بعجزِه عن تفسيرِها والتعليلِ لها!
ولما كان هذا هو حالَ الإنسانِ المستغرقِ في تأملِ ظنونِه وأوهامِه، فإنَّ اللهَ تعالى ما كان له أن يدَعَه مفتوناً بنفسِه وهو المحجوبُ بعقلِه وحِسِّه، فكان أن أرسلَ له أنبياءَه المرسَلين ليهدوه صراطَه المستقيم علَّه أن يتبيَّنَ “ضعفَه الخَلقي” و”عجزَه المعرفي” فلا يعودَ بعدها يتبجَحُ بقدرتِه على ما خوَّلَه اللهُ تعالى من فضلِه وأنعُمِه. فاللهُ تعالى يريدُ بالإنسانِ اليُسرَ ولا يريدُ به العسر، وهو لا يريدُ منه ما يشقُّ عليه فِعلُه والقيامُ به. فلا الإنسانُ بغالبٍ على أمرِه حتى يكونَ له أن يقدرَ على شيءٍ قدرةً تُجيزُ له أن يأمنَ مكرَ اللهِ الذي لا يحتاجُ الأمرُ معه غيرَ إغماضةِ عينٍ وانتباهتِها حتى يغيِّرَ اللهُ تعالى الدنيا من حالٍ إلى حال:
1- (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (99 الأعراف).
2- (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (44- 45 الأنعام).
3- (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُون) (95 الأعراف).
فعسى أن يفيقَ الإنسانُ من سفيهِ أحلامِه، فلا يعودَ بعدها أسيرَ ظنونِه وأوهامِه، فيتبيَّنَ بذلك أن ليس هناك من أحدٍ بقادرٍ على شيءٍ في هذا الوجودِ إلا الله الذي أعطى كلَّ شيءٍ خَلقَه ثم هدى.

أضف تعليق