في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ”

نقرأُ في سورةِ فصلت، وفي الآيةِ الكريمةِ 25 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ). فما هو معنى “وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ” في هذه الآيةِ الكريمة؟
توعَّدَ اللهُ تعالى مَن أعرض عن ذِكرِه بأن يُقيِّضَ له شيطاناً من الجنِّ يلازمُه ملازمةَ القرين فلا يكادُ يفارقُه أبداً: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (36 الزخرف). وهذا القرينُ لن يألوَ جهداً في التربَّصِ بصاحبِه الإنسي ومن ذلك ما بوسعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (137 الأنعام).
وهذا جانبٌ بيِّنٌ ظاهرٌ لا يعجزُ العاقلُ الحصيفُ عن تبيُّنِه وإرجاعِه إلى ما أُذِنَ لشياطينِ الجنِّ القيامُ به من إضلالِ المُعرِضين عن ذكرِ اللهِ تعالى وحرفِهم عن سبيلِ الهدى. غير أنَّ هنالك جانباً من تزيينِ شياطينِ الجِن لم يُقدَّر للإنسانِ أن يتبيَّنه مهما أعملَ فيه عقلَه. فهذا الجانبُ من تزيينِ الشياطينِ قد استخفى عن الأبصارِ ودقَّ على الأفهامِ فلا قدرةَ للإنسانِ بعدها على تبيُّنِه، ناهيك عن أن يكونَ بمقدورِه أن يتصدَّى له بتفاديه والتحصُّنِ منه. وهذا الجانبُ هو الذي يُشيرُ إليه اللهُ تعالى بـ “مَا خَلْفَهُم” في قولِه “وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ”. فاللهُ تعالى إذ يصِفُ هذا التزينَ بـ “مَا خَلْفَهُم” فإنه إنما يشدُّ الأبصارَ والأفهامَ إلى استخفائه وتلطُّفِه علَّ ذلك أن يجعلَنا نفرُّ إليه فنتَّبعُ هَديه فيكونُ لنا بعدها أن نتعوَّذَ به من هذا التزيين ونتحصَّنَ به منه.
فاللهُ تعالى قد أجازَ الشيطانَ وقبيلَه من شياطينِ الجِن بأن يُزيِّنوا للذين كفروا أعمالَهم وأن يَلبِسوا عليهم دينَهم وأن يستعينوا على ذلك بظاهرِ القولِ والفعلِ وخفيِّهما.

أضف تعليق