
يظنُّ إنسانُ الحضارةِ المعاصرة أنَّ ما أعانَه عقلُه على أن يُحيطَ به من علومٍ ومعارف يبيحُ له أن يخوضَ ويلعبَ كيفما تشاءُ له نفسُه ويُزيِّنُه له هواه، وإن كان في ذلك ما يتعارضُ، التعارضَ كلَّه، مع منظومةِ “القِيَمِ والمبادئ” التي يزعمُ أنها كانت العلةَ من وراءِ إحاطتِه بهذه العلومِ والمعارف! فإذا كانت هذه المنظومةُ، من القِيَمِ والمبادئ، لا قيامَ لها إلا على أساسٍ من احترامِ حريةِ الآخرين فيما يتخيَّرون الإيمانَ به من مذاهبَ وعقائد، فكيف يستقيمُ، والحالُ هذه، أن يتمَّ الاستهزاءُ بعقيدةٍ بِعينِها، أو بمذهبٍ بِعينِه، وذلك بحجةٍ مفادُها أنَّه يحقُّ للفردِ أن يصدرَ عنه أيُّ ردِّ فِعلٍ على ما يعرضُ له من عقائدَ ومذاهب طالما لم ينأَ الأمرُ به خارجَ حدودِ “التعاملِ الحضاري” الذي أوجبَته قِيَمُ ومبادئُ الحضارةِ المعاصرة؟!
فأيُّ سلوكٍ حضاريٍّ هذا الذي يجعلُ من القائمين على فعالياتِ افتتاحِ أولومبياد باريس 2024 يتجاسرون على شخصِ السيدِ المسيح عليه السلام وبما لا يتفقُ مع ما يقضي به الحسُّ السليم والمنطقُ القويم من وجوبِ احترامِ عقائدِ ومذاهبِ الآخرين؟! ولكنه الإنسانُ إذ يطغى فتطوِّعُ له نفسُه بالتالي ألا يحسنَ تقديرَ الأمورِ أما وأنه قد ارتضى أن يكونَ إلهُه هواه، وإن جعلته هذه العبوديةُ لنفسِه يعودُ القهقرى آلافَ السنينَ إلى ماضٍ همجيٍّ لا علاقةَ له بأيِّ توصيفٍ حضاري. أفلا يُذكِّرُنا هذا السلوكُ غيرُ الحضاري للقائمين على فعالياتِ افتتاحِ عروضِ أولومبياد باريس 2024 بسفهاءِ الجاهليةِ الأولى الذين يشيرُ اللهُ تعالى إليهم في الآيةِ الكريمة (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) (65 التوبة)؟
