
ما الذي يريدُه الشيطانُ من الإنسانِ حتى يتربَّصً به كلَّ هذا التربُّصَ والذي يُجلِّيه لنا تدبُّرُ قولِ اللهِ تعالى: (قالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (16- 17 الأعراف)؟
فالشيطانُ لا يريدُ أن يدَعَ الإنسانَ وشأنَه، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ ما فصَّلته لنا الآيةُ الكريمة 91 من سورةِ المائدة: (ِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ). فالشيطانُ يريدُنا أن نتَّبعَ خطواتِه، وأن نطيعَه لنصبحَ طوعَ أمرِه، فما أن يدعونا حتى نستجيبَ له وإن كان في ذلك شقاؤنا في هذه الحياةِ الدنيا وهلاكُنا الأبدي يومَ القيامة: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (22 إبراهيم).
وعداوةُ الشيطانِ للإنسانِ قديمةٌ قِدَمَ الزمان. فاللهُ تعالى سبقَ وأن حذَّرَ أبانا آدمَ من الشيطانِ تحذيراً يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى. وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) (117- 119 طه). غيرَ أنَّ أبانا آدمَ عصى اللهَ تعالى فصدَّقَ أكاذيبَ الشيطانِ مما اقتضى وجوبَ أن يُخرجَ من الجنةِ هو وزوجُه: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ. قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) (20- 25 الأعراف).
فمرادُ الشيطانِ من آدمَ وزوجِه إذاً قد تحقَّقَ، وذلك بأن أخرجَهما من الجنةِ التي سبقَ وأن أخرجَه اللهُ تعالى منها لامتناعِه عن الامتثالِ لأمرِ اللهِ تعالى بالسجودِ لآدم. ومرادُ الشيطانِ من الإنسانِ هو أن يتَّبعَ خطواتِه ويُطيعَه، وذلك حتى ينتهيَ به الأمرُ بعيداً عن صراطِ اللهِ المستقيم فلا يدخلَ بالتالي الجنةَ أبداً: (يا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) (من 20 الأعراف). فاللهُ تعالى حذَّرَ بَني آدم بألا يفتنَهم الشيطانُ فيصدِّقوا أكاذيبَه فينتهيَ بهم الأمرُ خالدين في جهنمَ أبدَ الآبدين.
