
وردت كلمةُ “العِلم” في القرآنِ العظيم بمعانٍ عدة. ويتكفلُ السياقُ القرآني الذي وردت فيه هذه الكلمةُ بتبيانِ المعنى الذي تنطوي عليه. لنتدبَّر قولَ اللهِ تعالى في الآيةِ الكريمة 14 من سورةِ الشورى: (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ). فما هو العلمُ الذي يُشيرُ إليه قَولُ اللهِ تعالى “وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ” في هذه الآيةِ الكريمة؟
فكلمةُ “العِلم” في هذه الآيةِ الكريمة تشيرُ إلى العلمِ الذي احتوى عليه الكتابُ الذي أنزلَه اللهُ تعالى على هؤلاء القومِ والذي ما كان لهم أن يعلموه لولا هذا الكتاب. فاللهُ تعالى هو الذي علَّم الإنسانَ بالقلم ما لم يعلم: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (4- 5 العلق).
فالقومُ لم يتفرقوا شِيَعاً وأحزاباً إلا من بعدِ هذا الكتاب وهذا العِلم الذي جاءهم به. وافتراقُ القومِ شِيَعاً وأحزاباً مردُّه ما جُبِلَ الإنسانُ عليه من تولُّعٍ بالجدل: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (من 54 الكهف). فكلُّ حزبٍ من هذه الأحزابِ التي افترقَ عليها القومُ فرحونَ بما لديهم من مقاربةٍ لهذا العِلم هي عندهم المقاربةُ الأمثل والأصح! وافتراقُ القومِ شِيَعاً وأحزاباً من بعدِ ما جاءهم العلمُ هو قدَرٌ يأبى إلا أن يلازمَ أصحابَه طالما ارتضوا لأنفسِهم أن تحيدَ عن هَدي الله الحيودَ الذي لن تُفلِحَ معه أيُّ محاولةٍ للإفلاتِ من هذا القدَرِ. فقدَرُ اللهِ لا مفرَّ منه إلا بقدَرٍ إلهيٍّ آخر لا سبيلَ إليه إلا باتِّباعِ هَدي الله والحرصِ على ألا يحيدَ بالمرءِ عن هذا الهَدي هواه: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (213 البقرة).
فكلُّ كتابٍ أنزلَه اللهُ تعالى احتوى من العِلمِ والبيناتِ ما جعلَ الناسَ يختلفون بشأنِها اختلافاً أوجبَه هذا التناشزُ القائمُ بينهم أيُّهم أكثرُ اتِّباعاً لهَدي الله وتمسُّكاً بشِرعةِ دينِه الحقِّ ومنهاجِه. فما جاء به الكتابُ من العلمِ والبينات لا يملكُ أن يُخضِعَ الإنسانَ لسلطانِه إن الإنسانُ لم يُخضِعَ نفسَه بملءِ إرادتِه! فإما إخضاعٌ للنفسِ حتى تتبعَ هَديَ اللهِ الذي فصَّلَه العِلمُ وبيَّنته هذه البينات، وإما خضوعٌ لما جُبِلت عليه الأنفسُ من نفورٍ من الحقِّ وإعراضٍ عنه وتغليبٍ للهوى. فكيف لا يفترقُ الناسُ بعد ذلك إذاً بين كافرٍ ومؤمن؟!
