
نقرأ في الآيةِ الكريمة 142 من سورةِ الأعراف قولَ الله تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ). ثم أن سيدَنا موسى عجلَ إلى اللهِ تعالى، وذلك من بعد أن استخلفَ أخاه هارونَ في قومِه من بعده.
فلما أن جاءَ سيدُنا موسى لميقاتِ الله تعالى سأله اللهُ تعالى: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى) (83 طه). فما كان من سيدِنا موسى إلا أن أجابَ بما حسبَ أنه حالُ قومِه من بعد مفارقته لهم وقد استخلفَ فيهم أخاه هارون: (قَالَ هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) (84 طه).
فكان أن أعلمه اللهُ تعالى بما أصبح عليه قومُه من شِركٍ بالله إذ اتخذوا لهم العجلَ إلهاً سواه: (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) (85 طه).
فقفل سيدُنا موسى عائداً إلى قومِه وتوجَّهَ بالملامةِ والعتابِ لأخيه: (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا. أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي. قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) (92- 94 طه).
ولقد كان لكلماتِ سيدِنا هارون هذه ما جعلَ سيدَنا موسى يتوجهُ إلى اللهِ تعالى يسألُه أن يغفرَ له ولأخيه: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (151 الأعراف). فسيدُنا موسى استغفرَ اللهَ تعالى لذنبِه الذي تمثل بما اعتراه من سَورةِ غضبٍ جعلته يُقدِمُ على إلقاء الألواحِ التي شهدَ يدَ اللهِ تعالى بأم عينيه وهي تكتبُ فيها من كل شيء، وبما جعلته سورةُ الغضبِ هذه يسيءُ الظنَّ بأخيه هارون محملاً إياه المسؤوليةَ عما حدث ويلقي عليه وِزرَ وقوفِه متفرجاً والقومُ قد اتخذوا لهم العجلَ إلهاً غيرَ الله. ولقد استغفرَ سيدُنا موسى اللهَ تعالى لأخيه هارون الذي عصى أمرَه ولم يفعل ما كان سيدُنا موسى ليفعلَه لو أنه كان قد شهدَ اتخاذَ قومِهِ العجلَ إلهاً لهم من دون الله.
