
بيَّنَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم ما يتوجَّبُ على الذين آمنوا أن يتحلَّوا به من جميلِ صبرٍ وصفحٍ وهجر في تعاملِهم فيما بينهم ومع الآخرين، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) (من 18 يوسف).
2- (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا) (5 المعارج).
3- (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (من 85 سورة الحِجر).
4- (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) (10 المزمل).
ويعينُ على تبيُّنِ معنى “جميل” في هذه الآياتِ الكريمة أن نستذكرَ ونتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (32 الفرقان). فالذين كفروا كانوا يحاججون رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلم، وذلك في معرضِ تشكيكِهم في كونِ ما أُنزِلَ عليه من قرآنٍ هو من عند الله، بحجةٍ مفادها أن “لو كان الأمرُ كما أخبرهم به، فلماذا إذاً لا يُنزَّلُ عليه القرآنُ جملةً واحدة (أي مرةً واحدة) وليس بهذا الترتيلِ آياتٍ تلو الأخرى؟”. ولقد فاتَ هؤلاء المجادلين أنَّ قرآناً اقتضى أمرُ اكتمالِ تنزُّلِه ما يقربُ من 23 سنة، مرتلاً آياتٍ تلو أخرى، لن يكونَ باليسيرِ على أيِّ إنسانٍ أن يتدبَّرَ كلَّ ما جاءه به جملةً واحدة (مرةً واحدة)، وذلك “لكثرةِ” المعروضِ عليه من حججٍ وحكمةٍ وأمثالٍ احتوت من صنوفِ التحدِّي الرباني ألواناً شتى.
فكلمةُ “جميل” إذاً تشتملُ على ذاتِ المعنى الذي تنطوي عليه كلمةُ “جملة”، والذي هو “كثير”. فاللهُ تعالى أمرَ الذين آمنوا بأن يكثروا من الصبر ومن الصفح ومن هجر جُهالِ المشركين إذا ما اقتضى الأمرُ ذلك.
