في معنى قَولِ اللهِ تعالى “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ”

تُخفِقُ كلُّ مقاربةٍ للمشكلةِ الإنسانية لا تأخذُ بِعَينِ الاعتبار الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى جعل هذه الحياةَ الدنيا مضماراً تُمتحَنُ فيه الإراداتُ وتمحَّصُ فيه الهِمَمُ، وذلك لأنَّ الإنسانَ لم يُخلَق إلا لحياةٍ أبديةٍ، ولن يتأتَّى لنا أن نتبيَّنَ حقيقتَه إلا من بعدِ أن نُقِرَّ بأنه لن يكونَ لحياتِه أيُّ معنى إذا ما قُصِرت على هذه الدنيا فحسب.
وإقرارُنا بأنَّ الإنسانَ لم يُخلَق لهذه الحياةِ الدنيا فحسب سيعودُ علينا بما من شأنِه أن يعينَنا على تبيُّنِ الحكمةِ من وراء انفرادِ اللهِ تعالى وحده بمحاكمتِه يومَ القيامة وليس في هذه الحياةِ الدنيا. فكلُّ حُكمٍ يطالُ ما اختارَ الإنسانُ لنفسِه من شرعةٍ ومنهاج لن يكونَ بمأمنٍ من أن تمازجَه من شوائبِ النفسِ ما يجعلُ من هذا الحكمِ ملتاثاً بما جُبِلت عليه الأنفسُ من انحيازٍ إلى الباطلِ وتغليبٍ لشرعتِه ونفورٍ من الحقِّ وإعراضٍ عن منهاجِه. ولذلك بيَّنَ لنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم أنَّ الإنسانَ قد خُلِقَ بإرادةٍ حرة كفل له بها أن يتخيَّرَ ما يشاءُ من السبلِ، وأن ليس لأحدٍ أن يُكرِهَ أحداً على أن يتديَّنَ بِدينٍ هو عنده الدينُ الذي يتعيَّنُ على كلِّ إنسانٍ وجوبُ التديُّنِ به! وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (من 256 البقرة).
فاللهُ تعالى أمرَنا بألا نُكرِهَ أحداً على التديُّنِ بِدينِه الحنيف طالما كان الأمرُ منوطاً بإرادةِ الإنسانِ الحرةِ من كلِّ إكراهٍ وإرغام.

أضف تعليق