
نقرأُ في سورةِ النمل، وفي الآيتَين الكريمتَين 83- 84 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
يُعينُنا تدبُّرُ هاتَين الآيتَين الكريمتَين على تبيُّنِ العلةِ من وراءِ خوضِ البعضِ ممن يُغالون في تقديرِ عظمةِ العقلِ البشري في مسائلَ لا قدرةَ له على أن يحيطَ بها إحاطتَه بغيرِها من المسائلِ التي بمقدورِه التعاملَ معها أما وأنَّها مما لا تعجزُ الحواسُ البشريةُ عن استقبالِ معطياتِها. فهكذا خوضٌ لابد وأن ينتهيَ بأصحابِه إلى الوقوعِ في محظورِ الزعمِ بأنَّ الاحتكامَ إلى العقلِ البشري هو ما يتوجبُ علينا اللجوءُ إليه كلما أردنا أن نتبيَّنَ “حقيقةَ” ظاهرةٍ ما. ولو أنَّ هذا البعضَ أنصفَ لَتبيَّنَ له أنَّ الإنسانَ، وبهذه الحواسِ التي قُدِّرَ له أن يتمتَّعَ بها، ليس أهلاً لأن يُفتيَ في ما لا قدرةَ لحواسِّه على التعاملِ المعرفي مع معطياتِه! فكلُّ ظاهرةٍ تعجزُ حواسُّ الإنسانِ على التعاملِ المعرفي معها هي بحكمِ التعريف تقعُ خارجَ تغطيةِ هذه الحواس وبما يجعلُ صاحبَها عاجزاً عن أن يخلصَ إلى حكمٍ قطعيٍّ بشأنِها!
إنَّ عجزَ الإنسانِ عن الإحاطةِ المعرفيةِ بالكثيرِ من وقائعِ وظواهرِ وأحداثِ هذا الوجود حقيقةٌ لابد له من أن يقدِرَها حقَّ قدرِها، وذلك قبل أن يسارعَ إلى الجزمِ بانتفاءِ وجودِ أيٍّ منها.
