
نقرأُ في سورةِ الروم، وفي الآيتَين الكريمتَين 55- 56 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
فاللهُ تعالى ما كان ليجعلَ الإنسانَ يؤولُ أمرُه إلى ما توهمَ الكافرون أنها نهايتُه: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الّْأَوَّلُونَ) (16- 17 فصلت). فاللهُ تعالى أقرَّ الذين كفروا فيما ذهبوا إليه من توصيفٍ لمآلِ الإنسانِ بعد موتِه: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) (من 4 ق). فإذا كان الإنسانُ تنقصُ الأرضُ منه ما لا يجعلُ ما يتبقى منه غيرُ الترابِ والعظام، فإنَّ اللهَ تعالى قد أنبأهم في قرآنِه بأنَّ هنالك من الإنسانِ ما يبقى عصياً على الأرضِ فلا قدرةَ لها على أن تنالَ منه كما نالت من بدنِه: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) (4 ق). وهذا “الكتابُ الحفيظ” هو “كتابُ الله” الذي تشيرُ إليه الآيةُ الكريمة 56 من سورةِ الروم أعلاه. فالإنسانُ، ومن بعدِ موتِه، يبقى منه ما سوف يحفظُه اللهُ تعالى في كتابِه الحفيظِ هذا حتى يومِ البعث.
ولقد أوكلَ اللهُ تعالى إلى طائفةٍ من ملائكتِه الكرام أمرَ هذا “الكيانِ المتبقي من الإنسانِ بعد موتِه”، وكفَّلَهم أمرَ اصطحابِه إلى حيثُ كتابِه الحفيظ هذا: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) (من 61 الأنعام). فرُسُلُ اللهِ تعالى هؤلاء هم الذين سيتولَّون هذه المهمةَ على أكملِ وجه، كيف لا وهم الذين يصفهم اللهُ تعالى بأنهم “لَا يُفَرِّطُونَ” في “الأمانة” التي أوكلوا بها حتى يبلغوها مستقرَّها ومستودعَها في كتابِ اللهِ الحفيظ؟
