لماذا يعجزُ علمُ النفس عن التعاملِ مع النفس كما عرَّفها قرآنُ اللهِ العظيم؟

أمرَ اللهُ تعالى بَني آدمَ بأن يعبدوه. وهذا هو جوهرُ رسالاتِ الله التي أرسلَ بها اللهُ تعالى أنبياءَه المُرسَلين إلى قومِهم. ويحقُّ لنا أن نتساءلَ عن العلةِ من وراءِ أمرِ اللهِ تعالى هذا، فلماذا يتعيَّنُ على الإنسانِ أن يعبدَ اللهَ تعالى؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ بداياتِ المشكلةِ الإنسانية؛ هذه المشكلةُ التي لن نقدرَها حقَّ قدرِها، فنصفَها حقَّ وصفِها، إن نحن لم نتبيَّن وندرك أنها مشكلةُ الإنسانِ، كلِّ إنسان، مع اللهِ تعالى، وأنها مشكلةٌ لازمته منذ أن تعيَّنَ عليه أن يُعانيَ تبعاتِ ما جرَّه على أبوَيه، آدمَ وزوجِه، أكلُهما من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عنها. فاللهُ تعالى ما حتَّمَ على الإنسانِ وجوبَ عبادتِه، وذلك باتِّباعِ هَديِه، إلا بُعيدَ تلك الأكلةِ، وذلك قبيلَ هبوطِ أبوَيه من الجنةِ التي أسكنَهما اللهُ تعالى فيها بعيد جعلِه لهما في الأرضِ خليفةً يخلفان مَن كان يُفسِدُ فيها ويسفكُ الدماء. لنتدبَّر الآياتِ الكريمةَ التالية: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (36- 39 البقرة).
ولو أننا أعملنا عقولَنا فيما تقدَّمَ من قَولِ اللهِ تعالى، وتدبَّرنا ما يشتملُ عليه من تبيانٍ دقيق للأحداثِ المتسارعة التي أعقبت أكلَ أبوَينا من تلك الشجرة، فلن يكونَ بالعسيرِ علينا أن نتبيَّنَ أنَّ “شيئاً ما” قد أصابَنا جراءَ تلك الأكلة، وأنَّ هذا “الشيءَ” سينجمُ عنه من فادحِ الضررِ وعظيمِ الأثر ما لا ينفعُ معه دواء إلا ذاك الذي وصفه اللهُ تعالى لنا هَدياً من لدنه. وهذا التضررُ الذي تعيَّنَ على بَني آدمَ أن يعانوا منه هو ما سمَّاهُ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بـ “النفس” التي عرَّفها لنا قرآنُه العظيم في جملةٍ من الآياتِ الكريمة، منها:
1- (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (40- 41 النازعات).
2- (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) (من 128 النساء).
3- (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) (من 23 النجم).
فكيف لا يعجزُ عِلمُ النفس إذاً عن التعاملِ مع هذه “النفس” وهي قد ضربت بجذورِها عميقاً في التفاصيلِ الدقيقة لبُنيةِ الدماغِ البشري بعيداً عن متناولِ أيِّ جهدٍ بشري يرومُ استمكانَها (أي تحديدَ مكانِها)؟! فلو كان الأمرُ بمقدورِ عِلم النفس لما جعلَ اللهُ تعالى اتِّباعَ هَديِه هو السبيلَ حتى يبرأَ الإنسانُ من سقمِه ويشفى من علَّتِه فلا تعودُ هنالك بعدها مشكلةٌ بينه وبين ربِّه.

أضف تعليق