
للأشياءِ حقيقةٌ يتوهَّمُ العِلمُ أنَّه قد أحاطَ بها! ولقد سبقت الفلسفةُ العِلمَ إلى هذا الظنِّ الواهم، وذلك بزعمِها أنَّ حقيقةَ الأشياءِ لن تُعجزَ عقلَ الإنسانِ عن تبيُّنِها والإحاطةِ بها، وذلك طالما كانت طبيعةُ العقلِ متعاليةً على طبيعةِ الأشياءِ قادرةً، والحالُ هذه، على النفاذِ إليها بحُكمِ تسلُّطِ المتعالي على ما دونِه. وهذا الزعمُ من جانبِ الفلسفةِ لا تقومُ عليه أيُّ حجةٍ ولا يؤيدُه أيُّ برهان. وهذا هو حالُ العلمِ أيضاً فيما ذهب إليه من زعمٍ بأنه قد خُلِّيَ بينه وبين حقيقةِ الأشياءِ أما وأنَّه قد قُيِّضَ له أن يسبرَ غورَها ويتعرَّفَ بالتالي على جوهرِ مادتِها وطبيعةِ بُنيتِها.
ويكفينا حتى نفنِّدَ زعمَ العلمِ والفلسفةِ هذا أن نستذكرَ ونتدبَّرَ “الآيةَ الكبرى” التي أيَّدَ اللهُ تعالى بها سيدَنا موسى فجعلَ عصاه تستحيلُ بلمحِ البصرِ ثعباناً مبيناً، وتعودُ سيرتَها الأولى من بعدِ أن التهمت حبالَ سحرةِ فرعونَ وعصيَّهم بلمحِ البصرِ أيضاً. فإذا كانت للأشياءِ حقيقةٌ، فإنَّ عصا سيدِنا موسى، وبهذا الذي تأتى لها أن تقومَ به بإذنِ اللهِ تعالى من فعلٍ يتعارضُ مع ما يقضي به عقلُ الإنسانِ، بمقدورِها أن تجلِّيَ هذه الحقيقةَ لنا بالكلماتِ التالية: “شيئيةُ الشيءِ، عصاً كان أم حيواناً أم نباتاً أو إنساناً، هي هبةٌ معارةٌ من اللهِ تعالى؛ فإن شاءَ أبقاها على الشيءِ فيُعرَّفُ بها ويُعرَف، وإن شاءَ سلبَه إياها وصيَّرَه بلمحِ البصرِ شيئاً آخر وذلك بقولِه له “كُن فيكون””.
