هل لـ “يدبِّرُ الأمر” أكثرُ من معنى في القرآنِ العظيم؟

وصفَ اللهُ تعالى نفسَه في قرآنِه العظيم بأنَّه هو مَن “يدبِّرُ الأمر”:
(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (3 يونس). فاللهُ الذي خلقَ السمواتِ والأرضَ في ستةِ أيام ثم استوى على العرش هو مّن “يُدَبِّرُ الْأَمْرَ” فيُنزلُ من القرآنِ ما يشاءُ على قلبِ رسولِه الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم.
كما ونقرأُ في الآيةِ الكريمة 31 من سورةِ يونس: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُون). فقد خاطبَ اللهُ تعالى الذين كفروا من معاصري رسولِه الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بسؤاله لهم: “مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ؟”. فما كان جوابُهم إلا بأنَّ اللهَ الذي ثبتَ لديهم أنه هو من يرزقُهم من السماءِ والأرض، وهو مَن يملكُ السمعَ والأبصارَ، وهو مَن يخرجُ الحيَّ من الميت ويُخرِجُ الميتَ من الحي، هو مَن يدبِّرُ الأمر فيُنزِلُ القرآنَ على مَن اصطفاه ليكونَ رسولَه إليهم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم. وهذا الإقرارُ من جانبِهم هو ما اضطرَّهم إليه سؤالُ اللهِ تعالى فجعلَهم لا يملكون غيرَ أن يُقِرُّوا بأنَّ القرآنَ مُنزَلٌ من اللهِ تعالى على رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم. غيرَ أن القومَ سرعان ما نُكسوا على رؤوسِهم فأنكروا ما اضطرُّوا إلى الإقرارِ به! وتذكِّرُنا هذه النكسةُ بنكسةِ قومِ إبراهيم التي فصَّلَ لنا أخبارَها قرآنُ اللهِ العظيم بقولِه: (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ. فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ. ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ. قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ. أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) (62- 68 الأنبياء).
ولقد شدَّدَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم على عائديةِ القرآنِ له فقال في الآيةِ الكريمة 2 من سورةِ الرعد: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ). فاللهُ تعالى الذي ثبتَ للمشركين أنَّه هو الذي “رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ يَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى” هو مَن “يُدَبِّرُ الْأَمْرَ” فينزلُ القرآنَ ويفصِّلُ آياتِه فيُبيِّنُها للناسِ حتى يوقنوا بأنه جامعُ الناسِ ليومِ القيامةِ لا ريب فيه.
ويظنُّ كثيرٌ من الناسِ أنَّ عبارةَ “يدبِّرُ الأمر” الواردة في الآيةِ الكريمة 5 من سورةِ السجدة هي بذات المعنى المذكور أعلاه: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ). ويتعارضُ هذا الظنُّ مع ما تذكرُه هذه الآيةُ الكريمة من توصيفٍ لما يقومُ به روحُ اللهِ الأمين سيدُنا جبريل في رحلتِه من السماءِ إلى الأرض وعروجِه من بعد ذلك إلى اللهِ تعالى. فسيدُنا جبريل هو الذي ينزلُ بالقرآنِ العظيم على قلبِ رسولِ اللهِ الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، فما أن يفرغَ من هذه المهمةِ الجليلة حتى يعرجَ إلى اللهِ تعالى. ولقد وردَ في موطنٍ آخر من القرآنِ العظيم ما يشيرُ إلى هذا الدور الذي كلَّف اللهُ تعالى به روحَه الأمين سيدَنا جبريل عليه السلام: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين) (192- 193 الشعراء).

أضف تعليق