هل من قاسمٍ مشتركٍ بين صنوفِ العباداتِ التي أمرَنا اللهُ تعالى بها؟

يكفلُ لنا تدبُّرُ صنوفِ العباداتِ التي أمرَنا اللهُ تعالى بها، كلِّها جميعاً، أن نخلُصَ إلى تبيُّنِ قاسمٍ مشتركٍ يوحِّدُ بينها. فكلُّ عبادةٍ أمرَ اللهُ تعالى الإنسانَ بها لا قيامَ لها إلا على أساسٍ من مخالفةِ ما جُبِلَت عليه نفسُه من شُحٍّ وقنوطٍ وتقاعُسٍ وجنوحٍ إلى إيثارِ الدنيا على الآخرة وتغليبٍ للعاجلِ على الآجل والتشكيكِ في وعدِ اللهِ ووعيدِه. ولذلك جاءت العباداتُ التي أمرَ اللهُ تعالى الإنسانَ بها محمَّلةً بكلِّ ما من شأنِه أن يُعينَه، إن هو أداها فأحسنَ أدائها وبالوجهِ الذي يريدُه اللهُ تعالى، على تأديبِ نفسِه وأخذِها بكلِّ ما هو كفيلٌ بجعلِها تنصاعُ لإرادتِه وتتنازلُ لأمرِه حتى لا يعودَ بمقدورِها أن تطوِّعَ له ما يُديمُ عليه شقاءه أو تسوِّلَ له ما يحتِّمُ عليه وجوبَ أن يخلِّدَه اللهُ تعالى في نارِ  جهنمَ أبدَ الآبدين. فالعباداتُ كلُّها جميعاً لا تهدفُ إلا لهذا التأديبِ للنفس، وذلك بحملِها على ما تكره وأخذِها بما لا تريد من شدةٍ وقسوةٍ لابد منهما طالما كانت متغلغلةً في كيانِه ضاربةً بجذورِها عميقاً في بُنيانِه. ولذلك فلم يكن للإنسانِ أن يفلحَ في التحرُّرِ من نفسِه والانعتاقِ من محكَمِ قبضتِها إلا بما شرعَه اللهُ تعالى له من عباداتٍ هي وحدها بمقدورِها أن تنالَ من نفسِه في معقلِ تواجدِها داخلاً من كيانِه.

أضف تعليق