
نقرأُ في سورةِ الأنفال، وفي الآيةِ الكريمة 8 منها، قولَ اللهِ تعالى (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ). فما هو معنى “وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ”؟
يعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الآياتِ الكريمةَ التالية:
1- (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) (53 الإسراء).
2- (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (36 فصلت).
3- (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُون) (27 الأعراف).
4- (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُون) (97- 98 المؤمنون).
5- (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (201 الأعراف).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة، أنَّ الإنسانَ وحدَه لا قدرةَ له على دحرِ الشيطان، وعلى أن يصرفَ عنه كيدَه ونزغَه وإغواءه وتزيينَه وفتنتَه ورجزَه، وأنَّ اللهَ تعالى هو القادرُ وحده على أن يدفعَ عن الإنسانِ كلَّ ذلك. فالشيطانُ إذ يهاجمُ الإنسانَ، فإنه إنما يأتيه مِنْ بَيْنِ يدَيه وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يمينِه وَعَنْ شمالِه. ورجزُ الشيطانِ هو أمضى أسلحتِه وأشدُّها تأثيراً على الإنسان. فإذا ما أصابَ الإنسانَ رجزُ الشيطانِ، فإن ذلك سوف يجعلُ الخوفَ يأبى أن يفارقَ قلبَه، ويمكِّنُ للنفسِ ما يجعلُها تزيِّنُ له التشكيكَ في وعدِ الله والتثاقلَ إلى الأرضِ رغبةً في الحياةِ الدنيا من الآخرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) 38 التوبة).
ولذلك فلقد كانت منةُ اللهِ تعالى على المؤمنين كبيرةً إذ أذهبَ عنهم رجزَ الشيطانِ فحالَ بذلك دون أن يتسللَ الوهنُ والخوارُ إلى قلوبِهم فيُثبِّطَهم عن الثباتِ في وجهِ عدوِّ اللهِ وعدوِّهم. ولقد كان لذلك ما جعلهم أهلاً لأن يؤيدهم اللهُ تعالى بنصرِه: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (123 آل عمران).
