جريانُ الكونِ قانونٌ إلهي هو العلةُ من وراءِ تمدُّدِه

لا ينفكُّ العالَمُ يفاجئُ مَن يتدبَّرُ وقائعَه وظواهرَه وأحداثَه بكلِّ ما هو كفيلٌ بأن يضطرَّه لمراجعةِ قناعاتِه ونظرياتِه وافتراضاتِه التي قامَ بصياغتِها استناداً إلى ما تأتَّى له الوقوعُ عليه منها. وفي هذا الذي جُبِلَت عليه العلاقةُ بين الإنسانِ والعالَم ما يُوجِبُ على الإنسانِ ألا يجزمَ برأيٍ قاطعٍ بشأنِ ما يعرضُ له من هذه الوقائعِ والظواهرِ والأحداث. فكفى بالعالَمِ مؤدباً للإنسانِ إن هو أصغى لما يقولُه له بلسانٍ فصيحٍ لا لبسَ فيه! ولكن الإنسانَ يأبى إلا أن يكتفيَ بقليلٍ مما يعرضُ له من وقائعِ العالَمِ وأحداثِه وظواهرِه ليخلصَ إلى صياغةِ تصوراتٍ بشأنِه هي في حقيقتِها قيودٌ ارتضى لعقلِه أن يرسفَ فيها!
ولقد بيَّنَ لنا تاريخُ العِلمِ البشري ما لهذه القيود من قدرةٍ على الحيلولةِ دون مواصلةِ الإنسانِ رحلته المعرفية في هذه الدنيا وبما يجعلُه أسيرَ تصوراتِه القاصرة التي لن يطولَ به الزمانُ حتى يكتشفَ حقيقتَها وكم أضلَّته وحالت دون أن تتبيَّنَ له حقيقةُ العالَمِ وما قُدِّرَ له أن يحيطَ به منها! ولعل علمَ الفلَك أن يكونَ أكثرَ مناحي العِلمِ البشري قدرةً على تعريفِ الإنسانِ بجهلِه وغرورِه وبمدى افتقارِه لكلِّ ما يتوجبُ عليه أن يتحلَّى به من أخلاقياتٍ تُعينُه إن هو تزوَّدَ بها في رحلتِه المعرفية هذه. وخيرُ مثالٍ على ما اضطرَّ عِلمُ الفلَكِ المشتغلين به لمواجهتِه من تحدياتٍ معرفية هو هذا الفيضُ المتلاحقُ من الاكتشافاتِ الفلكية التي زلزلت الأركانَ النظرية التي شيَّدَ عليها الإنسانُ تصوراتِه عن أصلِ الكونِ وبُنيتِه وطبيعتِه.
ويكفينا في هذا السياق أن نستذكرَ ونتدبَّرَ تلك الحيرةَ التي انتابت علماءَ الفلك وهُم يتدارسون ما زوَّدتهم به مراصدُهم من أدلةٍ وبراهين على أنَّ الكونَ يتمدَّدُ وبسرعةٍ تزدادُ باضطرادٍ مستمر! فتمدُّدُ الكونِ، وبهذه السرعةِ المخالفةِ لكلِّ ما وقرَ لدى العلماء من افتراضاتٍ حسبوها حقائق وما هي كذلك، استوجبَ منهم الانكبابَ على صياغةِ تصوراتٍ وافتراضاتٍ جديدة تكفلُ لهم أن يستوعبوا الأمرَ وبما لا يحتِّمُ عليهم ضرورةَ التنازلِ عن كلِّ ما افترضوه سابقاً بشأنِ أصلِ الكونِ وبُنيتِه وطبيعتِه.
ولو أنَّ هؤلاء العلماءَ كانوا أكثرَ تواضعاً وأقلَّ غروراً وأدنى لما ينبغي أن يتحلى به العالِمُ من أخلاقياتِ البحثِ العِلمي، لما وجدوا غضاضةً في تدبُّرِ ما وردَ في القرآنِ العظيم بشأنِ أصلِ الكونِ وبُنيتِه وطبيعتِه. فتمدُّدُ الكونِ هو في حقيقتِه واحدٌ من تجلياتِ جريانِ مادتِه وبما يتَّفقُ مع القانونِ الإلهي الذي يشتملُ عليه قولُ اللهِ تعالى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (39- 40 يس). وبمقتضى هذا القانونِ الإلهي، فإنَّ كلَّ ما في الكونِ من أجرامٍ وشموسٍ وكواكب يجري دونما توقف وإلى أجلٍ مسمى سبقَ وأن جعلَ اللهُ تعالى منتهاه حلولَ يومِ القيامة. فجريانُ الكونِ إذاً قانونٌ إلهي هو العلةُ من وراءِ تمدُّدِه.

أضف تعليق