التفسيرُ الحَرفي والتفسيرُ المتعالي للقرآنِ العظيم

من بين ما حبا اللهُ تعالى به قرآنَه العظيم، من خصائصَ وعجائبَ تفرَّدَ بها، هو هذا الذي بمقدورِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ آياتِه الكريمة التي جعلَها اللهُ تعالى تشتملُ على معنى آخر، غيرِ معناها الحرفي، يتعالى على المحدِّداتِ التي فرضتها الأسبابُ الموجبةُ لنزولِها. وهذا المعنى المتعالي على هذه المحددات يتجاوزُ قيودَ الزمانِ والمكان ويسمو بنا إلى آفاقٍ لا ينبغي استبعادُها بحجةِ مجاوزتِها لحَرفيةِ المعنى الذي تشتملُ عليه الآيةُ الكريمةُ قيدَ التدبُّر.
لنأخذ مثالاً على ذلك قولَ اللهِ تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) (من 255 البقرة). فقولُ اللهِ تعالى هذا يُشيرُ إلى الملائكةِ الذين أخبرنا اللهُ تعالى أنهم لا يشفعون إلا لمَن أذنَ له منهم: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) (26 النجم). ولقد أخبرنا اللهُ تعالى عن هؤلاء الملائكةِ أيضاً أنه “يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ”، أي يعلمُ ما يُعلنون وما يُسِرون وما يُظهرون وما يُبطنون: (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون) (من 33 البقرة). فالمعنى الحرفي لقَولِ اللهِ  تعالى “يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ” يخصُّ إذاً هؤلاء الملائكة. أما المعنى المتعالي (المتجاوز)، فإنه يشملُ الجنَّ والإنسَ إضافةً إلى الملائكة.
ولنأخذ مثالاً آخر على هذه السَّعةِ التي جعلَ اللهُ تعالى آياتِ القرآنِ العظيم تشتملُ عليها إذ جعلَها تحتملُ هذا المعنى المتجاوزَ للمعنى الحرفي، وهو ما بوسعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قَولِ اللهِ تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) (5 الزمر). فإذا كانت هذه الآيةُ الكريمة تتحدثُ بمعناها الحرفي عن جريانِ الشمسِ والقمر، فإنها تتحدث بمعناها المتعالي (المتجاوز) عن كلِّ ما في السمواتِ من أجرامٍ وشموسٍ وأقمار.

أضف تعليق