في الفرقِ بين الرؤى وأضغاثِ الأحلام

يبيِّنُ لنا تدبُّرُ أحلامِ بَني آدم أنَّ الغالبَ الأعمَّ عليها هو ما بالإمكانِ توصيفُه بأنَّه “أضغاثُ أحلام”؛ إذ يختلطُ حابلُ ما يراهُ المرءُ عادةً في منامِه بنابلِه اختلاطاً يُعجِزُ متدبِّرَه عن أن يتبيَّنَ له تفسيراً أو معنى. ولكن هذا لا يلزمُ عنه وجوبُ أن نغضَّ الطرفَ عن طائفةٍ من الأحلامِ يعجزُ العقلُ معها عن تبيُّنِ الكيفيةِ التي تأتى لها بها أن “تتنبأ” بالأحداثِ قبلَ وقوعِها. فما الذي يجعلُ أحلاماً بِعينِها تشتملُ على وقائعَ وأحداثٍ تأتي الأيامُ بعدها بما يتفقُ معها؟
تكمنُ الإجابةُ على هذا السؤال في تدبُّرِ ما وردَ في القرآنِ العظيم بشأنِ الرؤى وأضغاث الأحلام. لنتدبَّر الآيتين الكريمتَين 43- 44 من سورةِ يوسف: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ. قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ). فالملأُ من قومِ الملِك لم يجدوا في ما رآه الملِكُ في منامِه إلا أضغاثَ أحلام (أي طائفةً من الأحلامِ لا رابطَ بينها).
ولكن تأويلَ ما رآه الملكُ في منامِه، إذ لم يُقدَّر لهؤلاء أن يتبيَّنوه، كان مقدَّراً لسيدِنا يوسف أن يتبيَّنَه أما وأنَّ اللهَ تعالى كان قد علَّمه من تأويلِ الأحاديث:
1- (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (6 يوسف).
2- (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) (من 101 يوسف).
فسيدُنا يوسف قامَ بتأويلِ ما رآه الملكُ في منامِه: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ) (من 43 يوسف)، (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُون) (47- 49 يوسف).
كما وقام سيدُنا يوسف بتأويلِ ما كان قد رآه في المنامِ صاحباه في سجنِه: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (36 يوسف). (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) (41 يوسف).
فما الذي يجعلُ من السوادِ الأعظمِ مما يراه بنو آدم في منامِهم أضغاثَ أحلامٍ، وذلك بالمقارنةِ مع نزرٍ يسيرٍ يتعالى على التفسير ما يشتملُ عليه من وقائعَ وأحداث تجيءُ الأيامُ موافقةً له؟
يعينُنا على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الآيتَين الكريمتَين التاليتَين:
1- (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) (من 60 الإسراء).
2- (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ) (من 43 الأنفال).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هاتين الآيتَين الكريمتَين، أنَّ اللهَ تعالى هو الذي يُري النائمَ في منامِه ما ليس بالإمكانِ وصفُه بأضغاثِ الأحلام، وأنَّ هذا الذي يراه النائمُ في منامه ما كان له أن يراه لولا أنَّ اللهَ تعالى أراه إياه. فالذي رآهُ الملكُ في منامِه لم يكن ليراه لولا أنَّ اللهَ تعالى أراه إياه، وينسحبُ ذلك على صاحبَي سيدِنا يوسف في سجنِه. فكلُّ ما يراه النائمُ في منامه، مما هو ليس بأضغاثِ أحلام، هو في حقيقتِه رؤيا أراه اللهُ تعالى إياها.

أضف تعليق