
نقرأُ في سورةِ النمل، وفي الآياتِ الكريمة 17- 19 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ(17)حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِين).
كما ونقرأُ في سورةِ الأحقاف، وفي الآيةِ الكريمةِ 15 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ).
فما هو معنى “وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ” في هاتين الآيتَين الكريمتَين؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادها أنَّ اللهَ تعالى لا يقبلُ الأعمالَ الصالحةَ إلا ممن هو مؤمنٌ من عبادِه:
1- (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون) (97 النحل).
2- (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (124 النساء).
3- (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) (19 الإسراء).
فالعملُ الصالحُ، إن لم يكن مسبوقاً بالإيمان، لن يمكِّن الإنسانَ من قهرِ نفسِه ودحرِ هواه ولن يجعلَه بالتالي في مأمنٍ من أن يتناوشَه الشيطانُ وقبيلُه من الشياطين بالنزغِ والهمزاتِ والتزيين والمكرِ والكيد. ولذلك توجَّه سيدُنا سليمان، ومؤمنُ سورةِ الأحقاف، في الآيتين الكريمتَين أعلاه إلى اللهِ تعالى بالدعاء أن يُعينهما على أن يعملا صالحاً يرضاه. فاللهُ تعالى لا يرضى عن العملِ الصالحِ حتى يحققَ صاحبُه شرطَ الإيمان. فالأصلُ في الخلاصِ من كيدِ النفسِ ومكرِها، ومن كيدِ الشيطانِ وهمزاتِ الشياطين، هو أن يصدرَ العملُ الصالحُ عن العبدِ الذي دخلَ الإيمانُ في قلبِه فكان بذلك من عبادِ اللهِ الذين آمنوا وعملوا الصالحات: (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون) (19 السجدة).
