ما هو العِلمُ الذي يُشيرُ إليه قَولُ اللهِ تعالى “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا”؟

يرِدُ “العِلمُ” في القرآنِ العظيم بمعنيين اثنين. فالعِلمُ الذي يؤتيه اللهُ تعالى مَن يشاءُ من عباده، فضلاً منه ونعمة، قد وردَ في مواطنَ كثيرة. ومن هذه المواطن:
1- (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) (120 البقرة).
2- (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (247 البقرة).
3- (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (18 آل عِمران).
4- (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) (من 19 آل عمران).
أما العِلمُ الذي يكتسبُه الإنسانُ جراء إعمالِ عقلِه فيما تزوِّدُه به حواسُه من مفرداتِ ظاهرِ هذه الحياةِ الدنيا، فلقد وردَ هو الآخر في العديدِ من المواطنِ القرآنية. ومن هذه المواطن:
1- (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (82- 83 غافر).
2- (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى) (29- 30 النجم).
وبذلك يكون “العلمُ” الذي يشيرُ إليه قولُ اللهِ تعالى “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا”، وبالاستنادِ إلى ما تقدَّم، هو من العلمِ الذي آتاهُ اللهُ تعالى عبادَه الذين اصطفى من أنبيائه المُرسَلين الذين أنزلَ عليهم كتبَه وآتاهم صحفَه وعلَّمَهم ما لم يكونوا يعلمون. وهذا العِلمُ لا سبيلَ لاكتسابِه بجهدٍ عقلي؛ فهو علمٌ إلهيُّ المصدر لا يحيطُ مخلوقٌ بشيءٍ منه إلا بإذنِ اللهِ تعالى. ولذلك فلن يكونَ بمقدورِ العقلِ البشري يوماً أن يفسِّرَ، بوساطةٍ مما تأتى له الحصولُ عليه من عِلمٍ بظاهرِ الحياةِ الدنيا، ما هو موصولٌ بباطنِها من وقائعَ وأحداثٍ وظواهر ما كان لها أن تحدثَ لولا أنَّ اللهَ تعالى قالَ لها “كُن فيكون”.

أضف تعليق