
تعيَّنَ على البشر، وبحكمٍ من قدَرِهم الآدمي، أن يرثوا عن أبوَيهم (آدمَ وزوجِه) ما يعيننا على تبيُّنِ شيءٍ منه أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي يشتملُ عليها قولُ اللهِ تعالى (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (من 36 البقرة). وهذه العداوة، التي يشيرُ إليها قولُ اللهِ تعالى هذا، هي العلةُ من وراءِ إخراجِ آدمَ وزوجِه من الجنةِ التي كان أكلُهما من شجرتِها التي نهاهما اللهُ عنها هو السببَ من وراءِ تأصُّلِها في ذريتهما ودوامِ سريانِها في دمائهم؛ هذه العداوةُ التي لن يتمَّ استئصالُها من جذورِها إلا بفضلٍ من اللهِ تعالى يؤتيه أولئك الذين اتبعوا هَديَه فكانوا بذلك من الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين خاطبهم اللهُ تعالى بقولِه (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (103 آل عمران).
وهذا إرثٌ يتعيَّنُ على جميعِ أفرادِ النوع البشري أن يكابدوه قدراً محتوماً لن يتحرَّرَ منه واحدُهم إلا باتِّباعِه هَديَ اللهِ تعالى: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (123- 124 طه).
وهذا الإرثُ النوعي هو ليس كلُّ ما في جعبةِ القدرِ من إرثٍ يتوجَّبُ على البشرِ أن يرزحوا تحت نَيرِه. فكثيرٌ من بَني آدم يعانون الأمرَّين جراءَ ما توارثوه عن والدَيهم من أمراضٍ وراثية لم يكن لهم يدٌ فيها. وهذه حقيقةٌ من حقائقِ تواجدِ الإنسان على هذه الأرض تُعينُ متدبِّرَها على تفهُّمِ وتقبُّلِ ما قُدِّرَ على كلِّ إنسانٍ أن يحملَه على ظهرِه من الأرثِ النوعي المشارِ إليه أعلاه.
