
سألني أحدُ متابعي هذه المدونة أسئلةً فيما يلي نصوصُها ونصوصُ إجاباتي عليها:
السؤال الأول: من هو أفضل الشيطان الذي رفض أن يسجدَ لآدم عليه السلام أم أبناء آدم الذين سجدوا للأصنام وذروا عبادةَ الله؟ وهل في القرآنِ الكريم ما يدل على أن الشيطانَ ترك عبادةَ الله ورفض السجود له كما فعل البشر؟
الجواب: العلةُ من وراء امتناعِ الشيطان عن السجودِ لآدم بالإمكانِ تبينُها بتدبرِ الآية الكريمة: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف : 12]ً. وليس هنالك في القرآنِ العظيم ما يشير إلى أن إبليس ترك عبادةَ اللهِ تعالى إذ رفضَ السجودَ لآدم، ولكن كفى به كفراً بالله تعالى وظلماً لنفسه أنه أبى أن يمتثلَ لأمرِ الله تعالى بالسجودِ لآدم استكباراً منه وغروراً.
السؤال الثاني: الشيطان يخاطبُ الله َسبحانه وتعالى بكل احترام ويستخدمُ مصطلح “بعزتك” كما في الآية الكريمة “قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ”، كما أنه يرفض أن يكفر بالله سبحانه وتعالى ولكن البشر يتجاوزون على الله سبحانه وتعالى، كما في الآيةِ الكريمة “”كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ”، ويغوون البشر أيضاً فلمَ لا تكونُ مكانتُهم أسوءَ من مكانةِ الشيطان؟
الجواب: إنَّ العلةَ من وراءِ تمايزِ المخلوقات العاقلة المكلَّفة هي مقدارُ إطاعةِ كلٍ منهم لله تعالى وامتثالِه لأمرِه. فالشيطانُ كان يخاف اللهَ تعالى خوفاً لم يكن كافياً ليحولَ دون أن يعصيَه. وهذا الخوفُ غيرُ المكتمل هو ما تشيرُ إليه الآيةُ الكريمة: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚوَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال : 48]. فلو أن الشيطانَ كان يخافُ اللهَ الخوفَ الحق لما عصاهُ ولما أبى أن يسجدَ لآدم.
السؤال الثالث: ما الذي دفع الشيطانَ أن يشرعَ في غوايةِ البشر بعد أن تبينَ له الخطأُ الذي ارتكبه عندما رفض السجودَ لآدم؟
الجواب: لم يتبين إبليس هذا الخطأ، بل وعلى العكس من ذلك فلقد سوغ لامتناعِه عن السجود لآدم بقوله “أنا خيرٌ منه”، وذهب بعيداً في تخبطِه وإلى الحد الذي جعله يصرُّ على هذه “الخيريةِ المتوهَّمة” بما عقد العزمَ عليه من تبيانٍ لما هو عليه من “تفوقٍ خَلقي” على الإنسان وذلك بتعهدِه بغوايتِه وصدِّه عن سبيلِ الله.
السؤال الرابع: الله سبحانه وتعالى طرد إبليس من الجنة قبل أن يقعَ آدم في غوايتِه، فكيف أغوى هو آدم عليه السلام وهو أصلاً قد طُرِد من جنةِ المأوى التي كان فيها آدم حينها؟
الجواب: إذا كان اللهُ تعالى قد أخرجَ إبليسَ من الجنة فإن ذلك لا يلزمُ عنه وجوبُ أن لا يكونَ بمقدوره أن يؤثرَ على آدم عن طريقِ النزغِ والإيحاءِ عن بُعد. فاللهُ تعالى أخرج إبليسَ من الجنة بكيانِه فحسب، وهذا الخروجُ لا يعني انتفاءَ قدرتِه على التزيينِ لآدم عن بُعد من خارجِ الجنة. فالجنُّ، والذين ينتمي الشيطانُ إليهم خِلقةً وكياناً، لا يُشترَط تواجدُهم في مكانٍ ما حتى يكونَ لهم تأثيرٌ فاعلٌ في مَن هم فيه من البشر.
السؤال الخامس: من أين للشيطانِ أن يعلمَ أنه ستكونُ هنالك ذريةٌ مخلصةٌ للهِ سبحانه وتعالى عندما قال “قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ” وهو لا يعلمُ الغيبَ ولم تكن هنالك حينها أيُّ ذريةٍ بعد لآدم عليه السلام؟
الجواب: إبليس علمَ، كما علمت الملائكة، أن اللهَ تعالى جعل في الأرض خليفةً من بعدِ إهلاكِ من كان يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء، وأن هذا الخليفةَ هو آدمُ وزوجُه. ومعلومٌ لدى إبليس، كما لدى الملائكة، أن الزواجَ بين من كان مخلوقاً من طين ينجمُ عنه بالضرورة ذرية. وهنا لابد من التشديدِ على حقيقةٍ مفادها أنَّ عقلَ إبليسَ كانت تعتملُ فيه تناقضاتٌ زادها استعاراً ضعفُه حيالَ نفسِه التي تمكنت منه إذ جعلته يعصي اللهَ تعالى على الرغم من شديدِ خوفِه منه! فإبليسُ قد علمَ، ومن بعد ما تبيَّنَ له بطلانُ حجتِه القائمةِ على أساسٍ من “تفوقِه الخَلقي”، أنَّه لم يكن خيراً من آدم، ولكنه مع ذلك ناصبَ آدمَ العداء بمناصبتِه ذريتَه العداء! وهذا من بين جملةِ التناقضاتِ التي كانت تعتملُ في عقلِ إبليس والتي يتوجبُ على كلِّ مَن يزعمُ أنه مؤمنٌ بالله أن يحسبَ لها ألفَ ألفَ حساب، وذلك مخافةَ أن يسوءَ حالُه مع اللهِ تعالى وإلى الحدِّ الذي يجعلُه لا يمتثلُ لأمرِه وهو يظنُّ أنَّه يخافُه الخوفَ كلَّه!
السؤال السادس: هل إبليس قد سبق الحكم عليه بأنه في جهنم لأن الله سبحانه وتعالى قال: “لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ” واذا كان الأمر هكذا فكيف تفسرُ الآيةَ التي تدل على غير ذلك “قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ”؟
الجواب: لا تعارضَ هنالك بين الآيتين؛ فإنظارُ اللهِ تعالى لإبليس إلى يومِ البعث لا يلزمُ عنه إنتفاءُ إلقاءِ اللهِ تعالى له في جهنمَ خالداً فيها أبدا.
