
نقرأُ في سورةِ البقرة، وفي الآيةِ الكريمة 260 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). فما هو معنى “وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي” في هذه الآيةِ الكريمة؟
تقتضي الإجابةُ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (من 28 الرعد). فلماذا احتاجَ سيدُنا إبراهيم حتى يطمئنَّ قلبُه أن يرى كيف يُحيي اللهُ الموتى؟ أولم يكفِ سيدَنا إبراهيمَ أن يذكرَ اللهَ ليطمئنَّ قلبُه وقد علِمَ أنَّ اللهَ تعالى قد وصف قلوبَ المؤمنين بأنها تطمئنُّ بذكرِ الله (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ) (من 28 الرعد)؟
يُعينُنا على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ هذا الذي كان عليه سيدُنا إبراهيم من انشغالٍ قلبي بحقائقِ الوجود حاضرِها وغائبِها، وما كان منها من هذه الحياةِ الدنيا وما كان منها من الآخرة. فسيدُنا إبراهيم هو الذي جالَ ببصرِه في ملكوتِ السموات، وهو الذي تساءل عقلُه أياً من المخلوقاتِ هو اللهُ الذي توراثَ قومُه عن أسلافِهم القولَ بوجودِه: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (75- 78 الأنعام).
فقلبٌ كقلبِ سيدِنا إبراهيم مشغولٌ باللهِ وبآياتِه يحقُّ له أن يُطمئنَه اللهُ تعالى بما هو كفيلٌ بأن يُجيبَ على كلِّ ما يشغله من تساؤلاتٍ حتى وإن اقتضى الأمرُ أن يُرِيَه بعثَ الطيورِ من بعدِ موتِها.
