من الذي يقفُ من وراء اقتتالِ بَني آدمَ فيما بينهم؟

يظنُّ كثيرٌ منا أنَّ خلافاتِ بَني آدم فيما بينهم ما كان لها أن تنشأَ لو أنَّهم أنصتوا لصوتِ العقلِ وغلَّبوا منطِقَه سبيلاً وحيداً لفضِّ نزاعاتِهم ولحلِّ المشاكلِ التي يتسبَّبُ فيها هجرُهُ والنأيُ عنه! وهذا ظنٌّ بالإمكانِ دحضُه وتفنيدُه إن نحن تصفَّحنا كتبَ التاريخ وتدبَّرنا أحوالَ بَني آدمَ في كلِّ زمانٍ وصولاً إلى يومِنا هذا. فمَن الذي يقفُ إذاً من وراء اقتتالِ بَني آدمَ فيما بينهم؟
يجيبُنا القرآنُ على ذلك بقولِ اللهِ تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (7- 8 الشمس). فالإنسانُ إذا ما اتَّبَعَ هَديَ الله، وتديَّنَ التديُّنَ الحق بِدِينِ اللهِ، فلن يكونَ بالعسيرِ عليه أن يضطرَّ نفسَه إلى ما تكره ويحملَها على ما لا تهوى فيتسنى له بذلك أن يصبحَ بمنأى عن نزغِها وغوايتِها وتزيينِها وإضلالِها، فإن هي محَضته النصحَ أعرضَ عنها لعلمِه بأنَّها لا تأمرُ إلا بالسوء، وإن هي طوَّعت له أن يُفسِدَ في الأرضِ استعانَ باللهِ عليها فأعانه على تطويعِها وصيَّرها طائعةً لا تعصي له أمراً. وإذا ما كان الإنسانُ على هذا الحالِ مع اللهِ تعالى، فإنه لن يعودَ بعد ذلك من الذين يسارعون إلى افتعالِ الأزمات، ولن يكونَ من الذين يسوِّغون لعدوانِهم الظالمِ على الآخرين بما تفيضُه عليهم عقولُهم من خبيثِ الأسبابِ والمبررات!
فلا أملَ إذاً في أن يعمَّ السلامُ العالَمَ بدعوةِ أهلِه ليُعمِلوا عقولَهم فيما نشبَ بينهم من خلافاتٍ وصراعات! فالتاريخُ يشهدُ بأنَّ ما من حربٍ أتت على الآلافِ، أو الملايينِ، من البشر إلا وكان عقلاؤهم هم البادئين في إيقادِ نارِها وهُم الذين زادوها استعاراً، وهم الذين حالوا دون أن تضعَ أوزارَها اتباعاً لما تأمرُهم به أنفسُهم من السوء! فالحججُ العقليةُ، والمسوِّغاتُ المنطقيةُ، جاهزةٌ على الدوام ليسوِّغَ بها الإنسانُ للحربِ وليبرِّرَ لاستمرارِها ولوجوبِ ألا تنتهيَ قبل أن يتأتى لنفسِه أن ترويَ عطشَها من دماءِ مَن لا ذنبَ لهم إلا أنهم لم يؤتوا من رجاحةِ العقلِ ما أوتيه “العقلاءُ”.

أضف تعليق