
من أبرزِ عيوبِ العقلِ البشري مسارعتُه إلى الحكمِ على ما لا يعلم بالاستنادِ إلى ما يعلم! ويستوي في ذلك ذو العقل، إلا ما رحمَ ربي، وأخو الجهالة! فالعلماءُ الذين كان يجدرُ بهم ألا يكذِّبوا بظاهرةٍ ما، وهُم لما يحيطوا بها علماً، لا يتمايزون بهذا السلوكِ المفرطِ في غرورِه وتبجُّحِه عن غيرِهم من الذين ليس لديهم أيُّ حظٍّ من العِلم! وإلا فكيف يُعقَلُ أن يسارعَ عالِمٌ من أفذاذِ العلماء مثل كارل غوستاف يونغ إلى الحُكمِ على ظاهرةٍ ما بأنها من ظواهرِ التزامن لا لشيءٍ إلا لأنه، وعوضَ أن يتدبَّرَ تمايزَها عن ظواهرِ التزامن، ماهى بينهما أما وأنَّه لم يجد ما يدعوه إلى مزيدٍ من التفكُّرِ فيها، والتفسيرُ بظواهرِ التزامنِ ماثلٌ أمامه؟!
فالسوادُ الأعظمُ من الظواهرِ التي درسَها يونغ، وزعمَ أنها من ظواهرِ التزامن، هي في حقيقتِها ظواهرٌ خارقةٌ للعادة تعجزُ عقولُنا عن التعليلِ لها؛ كيف لا وهي ظواهرٌ متعاليةٌ على “السياقِ الواقعي” الذي درجنا على التعاملِ معه على أنَّه السياقُ الوجودي الوحيد؟! فالظواهرُ التي درسَها يونغ هي في الغالبِ الأعم ظواهرٌ تكمنُ أسبابُ حدوثِها في طياتِ سياقٍ غيرِ واقعي لا قدرةَ لقوانينِ سياقِنا الواقعي على اكتشافِها وتبيُّنِ الكيفيةِ التي تعملُ بموجبِها؛ فهي أقربُ ما تكونُ إلى الحدسِ والرؤى وغيرِ ذلك من ظواهرِ انتقالِ المعلومات إلى عالمِنا من عالمٍ آخرَ لم نُخلَق مؤهَّلين لنتعاملَ معه حين نشاءُ وبإرادتِنا.
