في معنى قَولِ اللهِ تعالى “هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى”

رسالةُ اللهِ إلى بَني آدم هي ذاتُها على مَرِّ العصورِ وكَرّّ الدهور وإن تباينت الشعوبُ وتناشزت الحضارات. فاللهُ تعالى خلقَ الإنسانَ خلقاً واحداً لا تمايزَ فيه بين عربيٍّ وأعجمي أو غنيٍّ وفقير أو ذكرٍ وأنثى. ثم أنَّ اللهَ تعالى ابتلى الإنسانَ، كائناً ما كان عِرقُه أو جِنسُه أو ثقافتُه أو مستواه الاجتماعي، بذاتِ النفس التي سلَّطها عليه بهواها وأمرَه بأن ينأى بها عما فيه فجورُها ويرقى بها إلى ما فيه تقواها. فإن اختلفَ بنو آدمَ فيما بينهم الاختلافَ الحقَّ الذي به يتمايزون عند اللهِ تعالى، فما ذلك إلا بتمايزِهم أيهم هو الأتقى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (من 13 الحجرات).
ولذلك فلم يكن لرسالةِ اللهِ تعالى إلى بَني آدم أن تأخذَ بنظرِ الاعتبار تطورَهم العقلي أو تميُّزَهم الفكري، وذلك كما يزعمُ البعض! فاللهُ تعالى توجَّهَ إلى الإنسانِ في كلِّ زمانٍ ومكان مستهدفاً النفسَ منه ولا شيءَ آخرَ غيرَها. ولما كانت النفسُ الآدميةُ متعاليةً على الزمانِ والمكان، فإنَّ مضمونَ هذه الرسالةِ الإلهية إلى بَني آدم لم يتغيَّر منذ أبيهم آدم وإلى آخرِ رسُلِ اللهِ تعالى إليهم سيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم. ومضمونُ هذه الرسالة يوجزُه قولُ اللهِ تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) (87 النساء). وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) (43 فصلت).
2- (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى. وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى. أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى. وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى) (36- 42 النجم).
3- (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى. بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (14- 19 الأعلى).
ولذلك عرَّفَ اللهُ تعالى قرآنَه العظيم بأنَّه “نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى”؛ هذه النذُرُ التي ضمَّنها اللهُ تعالى الصحفَ الأولى التي كانت هي أولَ ما أنزلَه من كتبِه ورسالاتِه إلى بَني آدم.

أضف تعليق