
ما كان الإنسانُ ليتبيَّنَ وحدَه العلةَ من وراءِ تواجدِه على الأرض مهما بلغَ من رجاحةِ العقلِ وحصافةِ التفكير ما بلغ. فالإنسانُ لا يزالُ ذلك الكائنَ المجهول الذي يعجزُ العلمُ عن تبيُّنِ ماضيه التطوري وعلى النحوِ الذي يمكِّنُه من معرفةِ الأسبابِ الكامنةِ وراء تمايزِه عن الحيوانِ الذي تزعمُ نظرياتُ العلم أنَّه الأصلُ الذي نشأ الإنسانُ منه وتطورَ عنه.
وهذا “اللغزُ الإنساني” لن يكفَّ عن إعجازِ كلِّ مَن يحاولُ أن يفكَّ طلاسمَه ما لم يستعن على ذلك بما فصَّلَه اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم من حقائقَ ذاتِ صلةٍ بماضي الإنسان التطوري؛ هذا الماضي الذي لا يكفي أن نقولَ بشأنِه ما يقولُه فيه العلم. ولذلك كان اللهُ تعالى هو وحده مَن يعلمُ الإنسانَ على ما هو عليه حقاً وحقيقة. فاللهُ تعالى أعلمُ بالإنسانِ من نفسِه: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) (من 32 النجم). وهو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (14 المُلك).
