في معنى قَولِ اللهِ تعالى “قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ”

تقصُّ علينا سورةُ الكهف من أنباءِ عبدٍ من عبادِ اللهِ الصالحين سماه القرآنُ العظيم “ذا القرنين”. ولقد بيَّنت لنا آياتُ سورةِ الكهف التي ورد فيها ذِكرُ ذي القرنين أنَّ اللهَ تعالى قد مكَّنَ له في الأرض وآتاهُ من كلِّ شيءٍ سبباً (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) (84 الكهف)، إذ سخَّرَ له من أسبابِ التمكين ما مكَّنَه من أن يصنعَ بإذنِ اللهِ تعالى ما يشاء مستعيناً على ذلك بما اختصَّه اللهُ تعالى به من عقلٍ راجحٍ وبصيرةٍ نافذة وبُعدِ نظرٍ جعلَه يتحرَّرُ من تلك المحدِّداتِ التي تقيِّدُ الإنسانَ بما جُبِلَ عليه من عجزٍ عن التحرُّرِ من سلطةِ الواقع والتي تتجلى عادةً بخضوعِه لضوابطِ الـ “هنا والآن”. فكان له، بهذا التمكينِ من اللهِ تعالى، ما قيَّضَ له أن يصنعَ بإذنِه صنائعَ تُدهِشُ مَن يتدبَّرُها وإلى الحدِّ الذي تجعلُه يخالُها مما عملت يدُ الجن، ومن ذلك ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا. حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا. فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) (92- 97 الكهف).
يُعينُنا تدبُّرُ ما تقدَّم على تبيُّنِ المعنى الذي ينطوي عليه قَولُ اللهِ تعالى “قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ”؛ فذو القرنين بيَّن للقومِ الذين تُشيرُ إليهم هذه الآياتُ الكريمة أنَّ ما قيَّضَه اللهُ تعالى له من تجلياتِ التمكينِ في الأرض لَهو خيرٌ مما يشيرون به عليه، وأنَّ “السدَّ” الذي طلبوا منه أن يصنعه لهم لن يكفَّ عنهم شرَّ يأجوج ومأجوج، وأنَّه قادرٌ على أن يجعلَ بينهم وبين هؤلاءِ المفسدين “ردماً” لن يستطيعوا معه أن يصلوا إليهم أو أن ينالوهم بسوء بإذنِ اللهِ تعالى.

أضف تعليق