
خاطبَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بقولِه: “طه. مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى”، وذلك ليُذهِبَ عنه الحَزَنَ الذي كان يأبى أن يفارقَ قلبَه الشريف وهو ينظرُ إلى قومِه فلا يرى منهم إلا الصدودَ والإعراضَ والتكذيب وإلى الحدِّ الذي جعلَهم يصفونَه تارةً بأنه شاعرٌ وأخرى بأنه كاهن وأخرى بأنه ساحر. ولقد بيَّنَ اللهُ تعالى لرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أنَّ الأمرَ لا يعودُ إلى نقصٍ يعتورُ طريقةَ تبليغِه برسالتِه التي أرسلَه بها إليهم. فالقومُ لم يكونوا، في حقيقةِ الأمر، يكذِّبونه، أما وأنهم كانوا بآياتِ اللهِ يجحدون كفراً به وإصراراً على الفرارِ منه: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (33 الأنعام). فاللهُ تعالى ما أنزلَ على رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم القرآنَ ليُشقيه به جراءَ ما كان يكابدُه من قومِه الذين كانوا ليكذبوا أيَّ نبيٍّ آخر غيره مُرسَلٌ إليهم. فالقومُ لم يكونوا بِدعاً من البشرِ الذين آثرَ سوادُهم الأعظم أن يعرضَ عن صراطِ الله المستقيم وأن يتبعَ السبُلَ التي تفرقت بهم عن سبيلِه.
