حقيقةُ الإنسان كما يجلِّيها ضعفُه الخَلقي

أجملَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم حقيقةَ الإنسانِ إجمالاً بليغاً يُغني متدبِّرَه عن مئاتِ الأطنانِ من الكتبِ التي أسهبت في تفصيلِ ما أوهمتنا به بأنها حقيقتُه، وما هي كذلك. فيكفي الباحثَ عن حقيقةِ الإنسان أن يتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) حتى تتكشَّفَ له حقيقتُه جليةً واضحة. فضعفُ الإنسانِ الخَلقي يُميطُ اللثامَ عن هذه الحقيقةِ وبما يكفلُ لنا أن نقدرَ الإنسانَ حقَّ قدرِه فلا نغالي في تعظيمِ قدراتِه ولا نبالغُ في حُسنِ الظنِّ به. فالإنسانُ، وبسببٍ من هذا الضعفِ الذي جُبِلَت عليه خِلقتُه، لن يكونَ بمقدورِه أبداً أن يصبحَ كما صوَّرته لنا أهواءُ ذلك النفرِ من الفلاسفةِ وعلماءِ النفس الذين افترضوا له صورةً لا علاقةَ لها به من قريبٍ أو بعيد! صحيحٌ أنَّ الإنسانَ قد خُلِقَ بِعقلٍ جبارٍ مكَّنه من ارتيادِ آفاقٍ ما كانت لتخطرَ للأقدمين على بال، إلا أنه يبقى مع ذلك أسيرَ نفسٍ لن يجديَ معها نفعٌ أن يعاملَها بعقلِه الجبارِ هذا! وهذه حقيقةٌ لن نعجزَ عن تبيُّنِ تجلياتِها أنَّى جُلنا بأبصارِنا فأعملنا عقولَنا فيما نشهدُه من عجيبِ حالِ الإنسانِ مع بَني جلدتِه من البشر الذين لن يحولَ عقلُه الجبارُ دون أن ينالَهم من شرِّ نفسِه ما هو كفيلٌ بجعلِهم يعجبون لأمرِه!
إنَّ ضعفَ خِلقةِ الإنسان حقيقةٌ بوسعِها أن تجعلَ بمقدورِنا أن ندحضَ ونفنِّدَ تلك المزاعمَ التي يخرجُ بها علينا بين الحينِ والآخر أولئك الجاهلون بحقيقةِ الإنسان من أنَّه قادرٌ على أن يأتيَ بما يعجزُ العقلُ عن التعليلِ له من عجيبِ الأفعالِ وغريبِها. فإذا كان الإنسانُ، وبحكمٍ من ضعفِه الخَلقي، محدودَ الطاقاتِ، محدداً بحواسِّه، فكيف يريدُنا هؤلاء أن نشاركَهم الوهمَ فنصدِّقَ زعمَهم بأنَّه قادرٌ على أن يتواصلَ مع ما يقولون به من انتشارٍ للمعلوماتِ من حولِنا؟! أم كيف يكونُ بمقدورِه أن ينظرَ في الزمانِ فيرى من ماضي وقائعِه ومستقبلِ أحداثِه ما يجعلُه ينطقُ بما كان وما سيكون؟!
لقد خلقَ اللهُ تعالى الإنسانَ ضعيفاً، وإقرارُنا بضعفِ الإنسانِ الخَلقي هذا هو الذي يحولُ دون أن نقعَ فريسةً للضلالاتِ والأوهامِ التي يريدُنا القائلون بها أن نضلَّ، كما ضلُّوا، السبيلَ، وأن نبقى أسرى خيالاتٍ وخبالات لن ينتهيَ الأمرُ بالسائرين وراءَها إلا إلى ما فيه الهلاكُ في الدنيا والآخرة.

أضف تعليق