في معنى قَولِ اللهِ تعالى “فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ”

تفنَّنَ كفارُ قريش في إيرادِ ما ظنوا أنها الحججُ التي تؤيدُ ما ذهبوا إليه من أنَّ القرآنَ لا يمكنُ أن يكونَ من عند الله. ولقد فصَّلَ القرآنُ العظيم هذه الحجَجَ وبيَّنَ حكمَه القاطعَ بشأنِها، وذلك بتفنيدِه لها كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا. وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا. وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا. أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا. انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) (4- 9 الفرقان).
فالقومُ قد وصفوا رسولَ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وسلم تارةً بأنه شاعر، وأخرى بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن، وأخرى بأنه كاذب، وأخرى بأنه مجنون:
1- (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُون) (36 الصافات).
2- (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) (5 الأنبياء).
3- (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ. وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُون) (40- 42 الحاقة).
4- (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) (4 ص).
يكفلُ لنا تدبُّرُ هذه الآياتِ الكريمة أن نتبيَّنَ مدى التخبط الذي كان عليه كفارُ قريش وهم يسعون جاهدين للتسويغِ لتكذيبِهم رسولِ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم. ولذلك فلقد توجَّهَ اللهُ تعالى إليهم بقولِه: “فَأَيْنَ تَذْهَبُون”، وذلك تذكيراً لهم بأن ما من تفسيرٍ آخر بوسعهم أن يأتوا به من بعدِ أن فنَّدَ اللهُ تعالى كلَّ مفترياتِهم التي جاؤوا بها، فَأَيْنَ يَذْهَبُونَ بعدها؟!  وهذا هو ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ قول اللهِ تعالى “فَأَيْنَ تَذْهَبُون” في سياقِ ورودِه في سورةِ التكوير: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ. وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ. وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ. وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ. وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ. فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ. إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (19- 27 التكوير).

أضف تعليق