
بيَّنَ اللهُ تعالى للذين كفروا من معاصري رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أنَّ ما هم عليه من حالٍ معه هو عينُ ما كان عليه حالُ مَن سبقهم من الأممِ التي أنزلَ بساحتِهم عذابَه جزاءً وفاقاً لحالهم هذا: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُون) (118 البقرة).
فالإنسانُ عادةً ما يظنُّ أنَّه متمايزٌ عن غيرِه، وهو لا يريدُ أن يصدِّقَ أنَّ ما جاءَ به قد سبقَه إليه آخرون! وهذا ظنٌّ لازمَ الكفارَ والمشركين على مرِّ العصور. ولذلك فلقد بيَّنَ اللهُ تعالى لأعدائه هؤلاء أنهم في حقيقةِ الأمرِ لم يسبقوا إلى شيء، وأنَّ ما هم عليه من كفرٍ وإشراكٍ به ليس بالأمرِ الجديد. وهذا هو ما يجلِّيه لنا تدبُّرُ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ. وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ. وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ. وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ) (51- 54 سورة سبأ).
2- (إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَر. وَمَآ أَمۡرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٞ كَلَمۡحِۭ بِٱلۡبَصَرِ. وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَآ أَشۡيَاعَكُمۡ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ) (49- 51 القمر).
فاللهُ تعالى وصفَ الكفارَ والمشركين من الأممِ السابقة بأنهم “أشياعُ” الكفارِ والمشركين من معاصري رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم. ولقد وصفَ اللهُ تعالى التماثلَ القائمَ بين طائفتين متباينتَين في الخَلقِ بأنه يجعلُ أفرادَ إحدى الطائفتين هم أمثالَ الطائفةِ الأخرى في التخلق:
1- (هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُۖ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم) (38 محمد).
2- (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ. عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) (60- 61 الواقعة).
3- (نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا) (28 الإنسان).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ هنالك فرقاً في المعنى بين “الأمثال” و”الأشياع” في القرآنِ العظيم.
