
يظنُّ كثيرٌ من الناسِ أنَّ الشيطانَ هو أصلُ الشرِّ ومصدرُه، وأنَّ الإنسانَ غيرُ ملومٍ على ما جنته يداه من شرٍّ دعاه الشيطانُ إلى اقترافِه! وهذا ظنٌّ تفنِّدُه وتدحضُه الحقيقةُ القرآنيةُ التي مفادُها ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمة (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) (من 22 إبراهيم). فاللهُ تعالى ما كان ليخلِّدَ في نارِ جهنمَ الكفارَ والمنافقين لو أنَّ الشيطانَ كان هو الملومَ على ما جنته أيديهم من سوء. فعلةُ خلودِ الإنسانِ في جهنم تعودُ إلى ما جنته يداه بإعراضِه عن اتِّباعِ هَدي الله وإيثارِه الإصغاءَ لنزغِ الشيطانِ ولما تدعوه إليه نفسُه ويُزيِّنُه له هواه.
صحيحٌ أنَّ الشيطانَ هو الذي سوَّلَ لآدمَ أن يعصيَ اللهَ تعالى ويأكلَ من الشجرةِ التي نهاه عنها: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى. فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (120- 121 طه)، إلا أنَّ اللهَ تعالى ما كان ليؤاخذَ آدمَ على ما بدرَ منه من عصيانٍ لولا أنَّ آدمَ كان بإمكانِه ألا يسمعَ للشيطانِ وألا يصدِّقَ بالتالي فريتَه التي أغواه فأخرجَه من الجنةِ بها: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى. فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) (116- 117 طه).
فالخروجُ من الجنة كان نتيجةً حتميةً لما جرَّته على آدمَ وذريتِه تلك الأكلةُ التي لم يكن للشيطانِ يدٌ في حملِ آدمَ عليها: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) (65 الإسراء). فالأمرُ موكولٌ إلى الإنسانِ إذاً بالتمامِ والكلية. وإذا كان اللهُ قد أجازَ للشيطانِ أن يستعينَ على غوايةِ الإنسان بكلِّ ما أوتيه من سلاحٍ، فإنه تعالى قد كفلَ للإنسانِ بالمقابل ما يُعينُه على التصدِّي للشيطانِ وجنودِه وسلاحِه، وذلك بأن يتخذَه عدواً:
1- (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا. قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا. وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) (62- 64 الإسراء).
2- (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (6 فاطر)
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ الشيطانَ ليس مسؤولاً عن تفشِّي الشرِّ في العالَم، وأنَّ المسؤوليةَ الكاملة يتحملُها كلُّ إنسانٍ ارتضى لنفسِه أن تصدَّه عن سبيلِ الله وأعانَها على ذلك بأن استجابَ للشيطانِ ولما يدعوه إليه من معصيةِ الله.
