في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ”

لماذا تهلكُ القرى؟ وهل هناك فرقٌ بين هلاكِ القرى وإهلاكِها؟ سؤالان يعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ عليهما أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الحقيقةَ القرآنية التي يُجلِّيها لنا تدبُّرُ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (117 هود).
2- (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) (17 الإسراء).
3- (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا) (59 الكهف).
4- (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) (6 الأنبياء).
فالقرى إما أن تهلكَ جراءَ عواملَ وأسبابٍ ليس بالعسيرِ تبيُّنُها ودراستُها بمقاربةٍ معرفيةٍ تكشفُ لنا النقابَ عن الأسبابِ الكامنةِ من وراءِ هلاكِها هذا، وهي أسبابٌ بالإمكانِ ردُّها إلى ما كان حضورُه الفاعلُ في المشهدِ هو الذي تسبَّبَ في هلاكِها؛ وهو حضورٌ لا يستعصي على العقل أما وأنَّ العقلَ قد تبيَّنَ القوانينَ الاقتصاديةَ والاجتماعيةَ والسياسيةَ والنفسيةَ التي كان لانفرادِ أيٍّ منها، أو لاجتماعِ هذا وذاك منها، ما تمخَّضَ عنه هلاكُ قريةٍ بِعينِها، أو أن تُهلَكَ بما فصَّلَه اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم وبيَّنَ حقيقتَه إذ أرجعَه إلى تدخُّلٍ مباشرٍ من لدنه كان هو العلةَ من وراءِ تحقُّقِه. فاللهُ تعالى ما كان ليُهلِكَ قريةً إلا بظلمٍ من أهلِها كان هو من وراءِ ما تعرضت له من عذابٍ أنزلَه بساحةِ أهلِها. ولذلك فلا يجوزُ لنا أن نسارعَ إلى التعليلِ لهلاكِ قريةٍ ما بعذابٍ من عندِ اللهِ تعالى إلا من بعدِ أن نستنفدَ كلَّ ما بحوزتِنا من أسبابٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ وسياسيةٍ ونفسية قد يكونُ أيٌّ منها، أو كلُّها مجتمعةً، هو ما تسبب بإذنِ اللهِ تعالى في هلاكِها. فأيُّ قريةٍ بإمكانِنا أن نُرجِعَ هلاكَها إلى ما هو واقعيٌّ من الأسباب لا ينبغي أن نقولَ بشأنِه إنَّ اللهَ تعالى هو مَن أهلكَها بعذابٍ من عندِه!
ولنأخذ على سبيلِ المثال مدينةَ بومبي التي كان السببُ من وراءِ هلاكِها ثورانُ بركانِ فيزوفيوس الذي أتى عليها وعلى أهلِها الذين قضوا جراءَ ما انهالَ عليهم من حِمَم هذا البركان ورمادِه. فالقولُ في مدينةِ بومبي إنها هلكت بعذابٍ من عندِ اللهِ تعالى نزلَ بساحةِ أهلِها بثورانِ هذا البركان هو قولٌ يتعارضُ مع ما بيَّنَه اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم من شرائطِ تنزُّلِ عذابِه بساحةِ القومِ الظالمين. فاللهُ تعالى ما كان ليهلِكَ قريةً ظالمةً إلا بما يستحيلُ على عقولِنا أن تسبِّبَ له بما بين أيدينا من الأسباب. واللهُ تعالى ما أهلكَ قومَ نوحٍ وقومَ هودٍ وقومَ صالح وقومَ لوط وقومَ شعيب إلا بعذابٍ من لدنه لا قدرةَ لعقولِنا على تبيُّنِه وبما يجعلُ بمقدورِنا أن نفصِّلَ ماهيتَه بإرجاعِها إلى هذا السببِ أو ذاك أو ذاك مما بين أيدينا من أسباب.

أضف تعليق