
ما كان اللهُ تعالى ليأمرَ أنبياءَه ورُسُلَه بما يتعارضُ مع ما أثبتَه في كتابِه يومَ خلقَ السمواتِ والأرض (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (من 36 التوبة). فـ “كتابُ اللهِ” الذي يُشيرُ إليه اللهُ تعالى في قولِه هذا هو الكتابُ الذي جعلَه اللهُ تعالى شاملاً لرسالاتِه التي أرسلَ بها أنبياءَه ورسُلَه كلٌّ في زمانِه ومكانِه وقومِه. ولذلك ما كان لهذه الرسالاتِ أن تتعارضَ فيما بينها أو أن يناقضَ بعضُها بعضاً. فمرادُ اللهِ تعالى من خلقِه هو هو. فلا تبديلَ لكلماتِ الله (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) (من 64 يونس)، كما أنه لا تبديلَ لخلقِ الله (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (30 الروم).
ولذلك أيضاً جاء أنبياءُ اللهِ تعالى ورسُلُه بالرسالةِ ذاتِها: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) (43 فصلت). ولذلك أيضاً ما كان لطالوتَ والذين آمنوا معه أن يغزوا قوماً طمعاً في أرضِهم عنوةً واستكباراً، وذلك كما وردَ في العهدِ القديم! فلقد فصَّلَ القرآنُ العظيم العلةَ من وراءِ استجابةِ اللهِ تعالى للملأِ من بَني إسرائيل من بعدِ سيدِنا موسى الذين قالوا لنبيٍّ لهم “ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ” (من 246 البقرة)، وذلك بأن أرجعَها إلى ما كان من أمرِ أعدائهم الذين أخرجوهم من ديارهم وأبنائهم دون وجهِ حق: (قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (من 246 البقرة).
ولذلك نقرأُ في القرآنِ العظيم قولَ اللهِ تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (190 البقرة)، ونقرأُ أيضاً (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (8- 9 الممتحنة).
