
لجهنمَ حضورٌ مشهودٌ في القرآنِ العظيم؛ إذ لا تكادُ تخلو صفحةٌ من صفحاتِه من ذِكرٍ لها صريح أو ذكرٍ لها بالإشارةِ والتلميح. فمتدبِّرُ القرآن لابد وأن يخلصَ إلى نتيجةٍ مفادُها أنَّ هذا القرآنَ قد جاءَ برسالةٍ من عند اللهِ تعالى تنذرُ الناسَ بسوءِ العاقبةِ إن هم أعرضوا عن اتِّباعِ هَدي الله، وأنَّ مصيرَهم لن يكونَ في هذه الحياةِ الدنيا إلا زيادةً من كلِّ ما فيه كبيرُ العناء وعظيمُ الشقاء، وذلك من قبلِ أن تبغتَهم الآخرةُ التي لن يجدوا عن الخلودِ في نارِها أبدَ الآبدين مصرفا. وعلى الرغمِ من مركزيةِ جهنم في النَّصِّ القرآني الشريف، فنحن لا نعدمُ قوماً يرونَ في ذلك ما يظنون أنه يتعارضُ مع ما ينبغي أن يكونَ عليه، من وجهةِ نظرِهم، الدينُ، وذلك طالما كان في ذِكرِ جهنمَ، والتذكيرِ بعذابِها، ما يجعلُ ذلك مدعاةً للحكمِ عليه بأنه ما لجأ إلى كلِّ هذا الإفراطِ في الحديثِ عن جهنم إلا حرصاً من جانبِه على أن يجتذبَ إليه الناسَ بالترهيبِ والتخويفِ من نارِها وسعيرِها! وهذا إن دلَّ على شيءٍ فإنما يدلُّ على قصورٍ في تبيُّنِ حقيقةِ الدينِ وعجزٍ عن إدراكِ مركزيةِ جهنم في خطابِه الذي جاءَ به من عندِ اللهِ تعالى كتابُه الحكيمُ المبين. فاللهُ تعالى ما ذكرَ جهنمَ في قرآنِه العظيم كلَّ هذا الذِّكر، ولا ذكَّرَ بها كلَّ هذا التذكير، لولا أنها حقيقةٌ هو مَن سيُجلِّيها لوقتِها، ولن تثنيَه عن ذلك ظنونُ المشككين وأوهامُ أولئك الذين يريدون أن يصطنعوا لأنفسِهم ديناً ضراراً ما أنزلَ اللهُ تعالى به من سلطان. فجهنمُ لم ترد في القرآنِ العظيم بهذه الكيفيةِ الصادمة لمشاعرِنا، والمستفزةِ لأحكامِنا، والمتحديةِ لغرورِنا، إلا تبياناً لكلِّ شيءٍ يقتضيه منا إعمالُنا لعقولِنا فيما يجري من حولِنا، وما يمليه علينا وجوبُ احتكامِنا إلى المنطقِ الذي يحتِّمُ علينا أن نحكمَ على الأشياءِ من دون أيِّ احتكامٍ لما تحملُنا عليه أنفسُنا وأهواؤنا.
فكيف يريدُنا هؤلاء الذين تزعجُهم مركزيةُ جهنم في القرآنِ العظيم أن نعلِّلَ لكلِّ هذا الشر الذي أظهرَه الإنسانُ في العالَم، والذي يتجلى في هذا الذي تكادُ الأرضُ تمتلئُ به ظلماً وجوراً إن لم نستعن بجهنمَ التي سيُلقي فيها اللهُ تعالى كلَّ مَن ظنَّ أنَّه قد أفلتَ، بذكائه وحيلتِه ودهائه ومكرِه، من عدالةِ القانونِ وعقابِه؟! إن الدينَ لن تقومَ له قائمةٌ، ولن يكونَ هناك أيُّ معنى لأيٍّ من مفرداتِه، إن لم يكن لجهنمَ هذه المركزيةُ في خطابِه. فاللهُ تعالى إن لم يتجلَّ في هذا العالَمِ الظالمُ أهلُه بعدلِه ورحمتِه وفصلِه بين عبادِه ونصرتِه للمظلومِ منهم على الظالم، فإنَّ يوماً آتٍ لا محالةَ سيشهدُ تجلِّي اللهِ تعالى بعدلِه ورحمتِه وفصلِه، وذلك يومَ يسألُ اللهُ تعالى الناسَ ويجيبُ بنفسِه على سؤالِه هذا بقولِه: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ. يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار) (15- 16 غافر).
