في معنى قَولِه تعالى “وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ”

نقرأُ في سورةِ البقرة، وفي الآيةِ الكريمة 284 منها، قولَ اللهِ تعالى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الآيةِ الكريمة، أنَّ ما من خاطرةٍ تخطرُ لابنِ آدم إلا واللهُ تعالى محاسبُه عليها، فإن شاءَ غفرَ له وإن شاءَ عذَّبه. وهذا أمرٌ جلَلٌ ما قدرناه حقَّ قدرِه إذ ظننا ألا تثريبَ علينا، وذلك طالما أننا لم نُتبِع ما يخطرُ لنا بما يكفلُ له أن يبصرَ النورَ على أرضِ الواقع. وظنُّنا هذا قد يُردينا فيورِدُنا مواردَ الهلاكِ إن شاء اللهُ تعالى أن يعذِّبَنا به. فنحن لا ندري ما اللهُ فاعلٌ بنا، ولذلك فلا يجوزُ لنا أن نحسبَ ما هو عند اللهِ عظيمٌ هيناً فنتهاونُ فيه (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (من 15 النور). فالأمرُ ليس لنا حتى نحكمَ على أنفسِنا بأنفسِنا، وذلك وفقاً لما تُمليه علينا أهواؤنا. فاللهُ تعالى قد يحاسبُ المرءَ على خاطرتِه فيعذِّبُه بهاعذاباً يذكِّرُ بذاك الذي يعذبُ به اللهُ مَن يتوهمُ أنَّه بمأمنٍ من عقابِه وعذابِه، وذلك لأنه ما كان ليقتلَ مخالفَه في الرأي لولا أن الأخيرَ استفزَّه واضطرَّه إلى القيامِ بما لم يكن ليخطرَ له على بال. فاللهُ تعالى ما كان ليخلِّدَ أصحابَ النارِ في جهنمَ أبدَ الآبدين لو أنَّ الأمرَ كان مقتصراً على ما تأتى لهم القيامُ به من كبائرِ الذنوبِ وعظائمِ المعاصي فحسب. فأبديةُ جهنمَ متأتيةٌ من حقيقةِ كونِ مَن يُلقى فيها محاسَبٌ ومعذَّبٌ جزاءً وفاقاً لما قدَّمته يداه سواءٌ بما تحقَّقَ له القيامُ به وما كان ليتحقَّقَ لو أنَّ اللهَ تعالى مدَّ في عُمُرِه فعُمِّرَ ما لا نهايةَ له من الزمان.

أضف تعليق