في معنى قَولِ اللهِ تعالى “إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى”

مَن هم الذين قالَ فيهم اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادها أنَّ اللهَ تعالى لم يجعل نصرتَه للذين آمنوا وعملوا الصالحات تقتصرُ على ما سيُنعِمُ به عليهم منها يومَ القيامة فحسب؛ إذ سيزحزحهم عن النار ويدخلُهم الجنة. ففضلُ اللهِ تعالى على عبادِه المتقين المحسنين المخلَصين قد فصَّلَه قرآنُه العظيم تفصيلاً لا يجعلُ الآخرةَ هي مجالُ تجلِّيه الوحيد؛ فهو متحققٌ في هذه الحياةِ الدنيا بشهادةِ ما سيؤتيهم منه فرجاً ونصراً وفتحاً ورزقاً حسناً وحياةً طيبة:
1- (لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (29 الحديد).
2- (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (من 24 يوسف).
3- (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (من 47 الروم).
4- (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) (103 يونس).
5- (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (من 2- من 3 الطلاق).
فاللهُ تعالى بشَّرَ الصالحين بأنه هو مَن يتولاهم (وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) (من 196 الأعراف). والصالحون من عبادِ الله هم الذين قالوا ربنا اللهُ ثم استقاموا، وهم من بشَّرهم اللهُ تعالى بأن الملائكةَ تتنزَّلُ عليهم وبأن الملائكةَ هم أولياؤهم في الحياةِ الدنيا وفي الآخرة: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) (30- من 31 فصلت). فأولياءُ اللهِ من عبادِه هم الذين سبقت لهم من اللهِ تعالى في هذه الحياةِ الدنيا الحسنى، وهم الذين سيصرفُ اللهُ تعالى عنهم يومَ القيامةِ نارَ جهنم. فالحسنى التي وعدَ اللهُ تعالى عبادَه الذين آمنوا وعملوا الصالحات يومَ القيامة قد جعلَ اللهُ تعالى ما يبشِّرُهم بها في هذه الحياةِ الدنيا التي شهدوا فيها من تجلياتِها ما فصَّلَه قرآنُ اللهِ من عظيمِ فضلِ الله عليهم في مواطنَ منه كثيرة. فالحسنى التي سيُلقَّاها عبادُ اللهِ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ يومَ القيامة قد سبقَ لهم وأن شهدوا تجلياتِها في حياتِهم الدنيا.

أضف تعليق